صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

نحتاج أحيانًا إلى لحظة هدوء، إلى هدنة قصيرة مع الحياة، لا نهرب فيها من شيء، بل نعود فيها إلى أنفسنا بعد أن أخذنا الضجيج بعيدًا عنها.

نحتاج إلى صمتٍ يهدّئ ازدحام الروح، وإلى وسادة سلام تسند أحلامنا المتعبة، أو عزلة صغيرة نغلق فيها أبواب العالم قليلًا، لنفتح بابًا ظل طويلًا موصدًا في داخلنا.

فكثرة الأصوات من حولنا قد تجعلنا لا نسمع أهم صوت؛ صوتنا نحن. نمضي بين مسؤوليات لا تنتهي، وأحداث تتوالى، وأشخاص ينتظرون منا الكثير، حتى ننسى أن للروح حقًا في أن تستريح، وللقلب حقًا في أن يُفهم، وللعقل حقًا في مساحة لا يطارده فيها سؤال جديد كل لحظة.

ولعل هذا ما يجعل قول أبي حامد الغزالي بالغ الدلالة:
«الخلوة لا تخلو من فائدة».

فالابتعاد المؤقت عن صخب الحياة ليس دائمًا عزلة عن الآخرين، بل قد يكون اقترابًا من الذات. بعض المسافات تمنحنا رؤية لم تكن ممكنة ونحن في قلب المشهد، وبعض الصمت يكشف لنا ما عجزت الكلمات عن قوله.

في تلك الهدنة نعيد ترتيب الأشياء كما تستحق، لا كما فرضها انفعال اللحظة. نكتشف أن ما ظننّاه نهاية لم يكن إلا مرحلة، وأن بعض ما استنزف تفكيرنا لم يكن يستحق كل ذلك القلق، وأن أبوابًا أصررنا على الوقوف أمامها كان الأجمل بنا أن نغادرها منذ زمن.

نُنصت إلى العقل والقلب معًا؛ فلا نجعل العقل يقسو على مشاعرنا، ولا نترك القلب يقودنا بعيدًا عن بصيرتنا. فالنضج ربما يبدأ حين نتوقف عن خوض المعارك بينهما، ونتعلم كيف نصغي إلى كليهما بوعي.

وقد كتب جبران خليل جبران:
«في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء نقاب كل ليل فجر باسم».

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه لحظات الهدوء أنها تعيد إلينا هذا المعنى؛ أن التعب مهما طال لا يعني أن الأمل انتهى، وأن الطريق حين يضيق لا يعني أن جميع الطرق قد أُغلقت.

لسنا بحاجة إلى أن نكون أقوياء طوال الوقت، ولا أن نركض لمجرد أن الجميع يركض. ففي الحياة أوقات يكون التوقف فيها حكمة، والصمت ترميمًا، والعزلة مساحة نستعيد فيها ما تبعثر منا.

فالهدنة الحقيقية ليست أن تتوقف الحياة من حولنا، بل أن يتوقف صخبها في داخلنا.

أن نجلس مع أنفسنا دون خصومة، وأن نسامحها على ما لم تستطع تغييره، ونخفف عنها ثقل ما مضى، ثم نسأل بهدوء: ما الذي يستحق أن نحمله معنا إلى الغد؟ وما الذي آن له أن يبقى خلفنا؟

قد لا نجد إجابات لكل أسئلتنا، لكننا قد نجد شيئًا أهم؛ قلبًا أكثر هدوءًا، وعقلًا أكثر وضوحًا، وروحًا استعادت قدرتها على النظر إلى الطريق دون خوف.

وحين تنتهي الهدنة، قد لا تكون الحياة قد تغيّرت، لكن شيئًا فينا سيكون قد تغيّر. سنعود إليها أخفّ، أكثر فهمًا لأنفسنا، وأقل رغبة في ملاحقة كل شيء.

فبعض السلام لا يأتي حين تهدأ الحياة، بل حين نتعلم كيف نصنع في داخلنا مكانًا هادئًا، مهما اشتد ضجيجها.

همسة أمل:
حين تتعبك الحياة، لا تبحث دائمًا عن طريق للهروب منها؛ ابحث عن مساحة هادئة تعود فيها إلى نفسك. فقد تكون لحظة سكون واحدة كافية لتستعيد أنفاسك، وترتّب قلبك، وتوقظ في داخلك أملًا ظننته خفت ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى