مقالات
.

استمعتُ إلى قصة جعلتني أتوقف عند سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل وجعًا يعرفه كثيرون: من المخطئ؟ من أعطى الفرص مرة بعد أخرى، أم من استغلّها لصالحه دون أن يأبه بما يتركه في نفس الآخر؟
في البداية، قد تبدو الفرصة دليل محبة أو وفاء. نمنحها لأننا نؤمن بأن الإنسان قادر على مراجعة نفسه، ولأننا لا نريد أن نحكم عليه من زلّة واحدة. نصغي إلى اعتذاره، ونفسح مجالًا لإصلاح ما أفسده، ونرجو أن يكون ما حدث عابرًا. وهذا، في ذاته، ليس سذاجة؛ فالعدل يقتضي أحيانًا ألّا نختصر إنسانًا في خطئه.
لكن الفرص لا تغيّر أحدًا لم يرد أن يتغيّر. قد يعتذر شخص لأنه أدرك أثر فعله، وقد يعتذر آخر لأنه لا يريد أن يفقد ما يحصل عليه منك. وبين الاعتذارين مسافة لا تكشفها الكلمات، بل يكشفها ما يحدث بعدها.
هنا يبدأ الالتباس المؤلم. يكرّر أحدهم الفعل، ثم يعود بوعد جديد، بينما يجد الطرف الآخر نفسه أمام السؤال نفسه: هل أمنحه فرصة أخرى أم أكون قد تخلّيت عنه مبكرًا؟ ومع الوقت، قد ينشغل من تعرّض للأذى بمحاسبة نفسه أكثر من محاسبة من سبّبه. يسأل لماذا صدّق، ولماذا صبر، ولماذا لم يرحل عند أول إشارة.
ليس من العدل أن نضع مسؤولية الاستغلال على من أحسن الظن. المسؤول عن الخداع هو من خدع، والمسؤول عن تكرار الأذى هو من اختار تكراره، خصوصًا حين صار يعرف أثره. أما من منح الفرص، فقد يحتاج إلى أن يراجع حدوده، وأن يفهم لماذا ظلّ ينتظر تغييرًا لم يظهر؛ وهذه مراجعة تحميه في المستقبل، وليست حكمًا عليه بالذنب.
فإنصاف النفس يبدأ حين نفرّق بين أمرين: الندم على فرصة منحناها بصدق، والمسؤولية عن فعل ارتكبه غيرنا. الأول شعور يمكن أن نتعلّم منه، أما الثانية فلا ينبغي أن نحملها بدلًا ممن استغلّنا.
لا أرى أن هناك عددًا محددًا من الفرص يصلح لكل علاقة. ما يستحق النظر هو ما إذا كان الطرف الآخر قد اعترف بخطئه اعترافًا واضحًا، واحترم ما طلبته منه، وأثبت مع الوقت أن سلوكه تغيّر. فإذا ظلت الوعود تتجدّد وبقي الأذى على حاله، لم تعد المشكلة في قلّة صبرنا، بل في واقع نحتاج إلى رؤيته كما هو.
وقد يكون أصعب ما في وضع الحدّ أن الإنسان لا يغادر وهو خالٍ من المشاعر. قد يبقى الودّ، وتبقى الذكريات، ومع ذلك يدرك أنه لا يستطيع أن يقدّم طمأنينته ثمنًا لفرصة جديدة. ليس عليه أن يكره الآخر كي يتوقف عن فتح الباب له؛ يكفي أن يكون قد رأى ما يحدث كلما فتحه.
منحُ الفرص خُلُق كريم حين يقابله صدق ومسؤولية. أما حين تُستعمل الفرصة طريقًا مضمونًا للعودة إلى الفعل نفسه، فإن إغلاق الباب يصبح قرارًا يحفظ للإنسان حقّه في حياة لا يقضيها منتظرًا اعتذارًا آخر.
همسة أمل:
لا تقسُ على نفسك لأنك منحتَ فرصةً برجاء صادق. تعلّم مما رأيت، وضع حدّك حين تحتاج إليه؛ فطيبة قلبك لا تُلزمك بأن تبقى موضعًا لأذى الآخرين.






