.

استوقفتني قصيدة تعبّر عن كرامة الوطن وشموخ أبنائه، وبقي يتردد في نفسي منها: «افتدوك وهذا شعبك يفتديك». كلمات تختصر عهدًا من الوفاء، يمتد من الأجداد إلى الأبناء؛ فقد مضى الذين بذلوا لحماية أرضهم، وبقيت أمانتهم في أعناق من جاء بعدهم، ليصونوا الدار ويحفظوا عزّتها، ويسلّموها لأبنائهم آمنةً عزيزة.
تلك أصالتنا في حب المملكة العربية السعودية؛ انتماء تربّينا عليه، وعرفناه في اعتزاز آبائنا وأجدادنا بأرضهم، وفي حرصهم على وحدتها وكرامتها. تعلّمنا منهم أن ما يصيب الوطن يبلغ كل بيت، وأن قوته سند لأهله، وأن الوفاء له يقتضي استعدادًا للعطاء حين يحين الواجب. ومع نضج وعينا، نزداد إدراكًا لقيمة ما ورثناه، وللمسؤولية التي يحملها هذا الانتماء.
ويبلغ المعنى ذروته في البيت:
يا وطن ما بك جبل حنّا جبالك
روسنا روس الجبال ونحتميك
في هذه الصورة يقف أبناء الوطن بشموخ الجبال وثباتها، ويقدّمون أنفسهم سندًا لأرضهم. إنهم يعرفون قدر ما يحمونه؛ بيوت أهلهم، وذاكرة آبائهم، وأحلام أبنائهم. وحين يقولون «حنّا جبالك»، فإنهم يحملون أنفسهم مسؤولية الكلمة؛ أن يثبتوا حين يُحتاج إليهم، ويحفظوا العهد حين يُختبر، ويقدّموا سلامة وطنهم على مصالحهم العابرة.
ونحن نفخر بانتمائنا إلى السعودية؛ بتاريخها وهويتها وقيادتها، وبما يجمع أبناءها من وحدة ومصير مشترك. نحمل اسمها باعتزاز، ونرى في رفعتها رفعتنا، ونتطلع إلى أن يكون لنا نصيب في بناء مستقبلها. وهذا الفخر يرفع سقف ما نطلبه من أنفسنا؛ فمن يعتز بوطنه يحرص أن يكون أهلًا لتمثيله، وأن يضيف إليه من علمه وعمله وخلقه.
ولحماية الوطن رجال يحملون أثقل المسؤوليات؛ جنود يرابطون على حدوده، ورجال أمن يسهرون على سلامة أهله. وراء طمأنينة البيوت واجب يؤدّونه، وتضحيات تستحق أن تبقى حاضرة في وعينا وتقديرنا. ويقتضي الوفاء لهم أن ينهض كل منا بمسؤوليته، وأن نصون بتصرفاتنا ما يبذلون جهدهم وأرواحهم لحمايته.
فالمعلّم الذي يبني عقلًا واعيًا، والطبيب الذي يخلص في رعاية مريضه، والموظف الذي يحفظ الحقوق، والإعلامي الذي يتحرّى صدق الكلمة، والأسرة التي تغرس احترام النظام والممتلكات العامة؛ جميعهم يسهمون في قوة الوطن. تتراكم هذه الأعمال في حياة المجتمع، فتصنع كفاءة مؤسساته، وثقة أبنائه، وقدرته على التقدم ومواجهة التحديات.
وتظهر أصالة الانتماء في صون وحدتنا؛ في التثبّت قبل نقل الأخبار، ورفض ما يثير الفرقة، وإدارة اختلافاتنا بما يحفظ الاحترام والمصلحة العامة. فالكلمة أمانة، وإدراك أثرها جزء من المسؤولية. وحين نختلف، يبقى الوطن جامعنا، وتبقى سلامته واستقراره أمانة تتجاوز ما بيننا من تباين في الرأي.
لقد حمل الأجداد أمانة زمانهم، وأمانة هذا الزمن بين أيدينا. وسيعرف من يأتي بعدنا مقدار وفائنا بما نتركه لهم من وطن محفوظ الأمن والمكانة، ومن سيرة تشهد أننا أدّينا واجبنا نحوه. عندها تجد حكايات الأجداد امتدادها فينا، ويجد أبناؤنا في مواقفنا ما يدعوهم إلى الاعتزاز بنا.
همسة أمل
حين نقول «يا وطن… حنّا جبالك»، فإننا نعاهد أرضًا نحبها، ونحفظ وصية من سبقونا، ونؤتمن على مستقبل من سيأتون بعدنا. فلنكن على قدر هذا العهد؛ ثابتين في وفائنا، أمناء في مسؤولياتنا، ولتجد السعودية في أفعالنا ما نعلنه في محبتها..






