.

يمضي الإنسان وقتًا طويلًا في محاولة تغيير رأي لا يخصّه، أو انتزاع تقدير لا يأتي، أو إقناع شخص بأن يراجع سلوكًا لا يرى فيه خطأ. يعيد الشرح، ويترقّب الاستجابة، ويؤجّل راحته حتى يحدث ما ينتظره. وبين محاولة وأخرى، يغفل عن سؤال جوهري: كم مما يشغلني أملك حقًّا القدرة على تغييره؟
تبدأ معرفة حدود قدرتنا حين نميّز بين ما يقع في دائرة اختيارنا وما يتجاوزها. داخل دائرتنا تقع كلماتنا وتصرفاتنا، وقراراتنا، والمبادئ التي نتمسّك بها، والحدود التي نضعها في علاقاتنا. ويقع فيها جهدنا وانضباطنا، وكيفية استثمار أوقاتنا، واستعدادنا للاعتراف بأخطائنا والتعلّم منها وإصلاح آثارها قدر المستطاع. هذه مساحة مسؤوليتنا، وهي الأجدر باهتمامنا وعملنا.
وتشمل دائرتنا طريقة التعامل مع أفكارنا ومشاعرنا. قد يرد خاطر يقلقنا، أو يوقظ موقف حزنًا لم نتوقّعه، لكننا نستطيع التأنّي قبل تصديق كل فكرة، وفهم ما نشعر به، ومنح أنفسنا فرصة للهدوء قبل الرد. ومع الممارسة وطلب المساندة عند الحاجة، تتّسع قدرتنا على اختيار استجابة تحفظ اتزاننا وحقوقنا.
أما آراء الآخرين ومعتقداتهم ونظرتهم إلينا وأفعالهم، فتقع خارج دائرة تحكّمنا. يمكننا توضيح مقاصدنا، وتصحيح معلومة، ومناقشة رأي، لكننا لا نضمن الاقتناع أو القبول. وقد نكون واضحين ويستمر سوء الفهم، وصادقين ولا نلقى التصديق. عندها نحتاج إلى معرفة متى أدّى التوضيح غايته، ومتى أصبح دفاعًا متواصلًا عن النفس يستهلكنا دون جدوى.
ويشتد هذا الاستنزاف حين نحاول تغيير من نحب. ننصح ونساند ونصبر، ظنًّا أن مزيدًا من العطاء سيقود إلى التحوّل المنتظر. وللدعم أثره، لكن التغيير يحتاج إلى رغبة من صاحبه، واستعداد للمراجعة، وجهد يظهر في أفعاله. لا تستطيع محبتنا أن تؤدّي عنه هذا الدور، ولا يمكننا أن نظل نحمل مسؤولية تغييره.
وحين نفهم ذلك، نستعيد خيارات أغفلناها أثناء الانتظار. نستطيع التعبير عمّا يؤذينا، ورفض الإساءة، وتحديد مقدار القرب المناسب، واتخاذ ما يحفظ حقوقنا. سلوك الآخر مسؤوليته، وقراراتنا في التعامل معه مسؤوليتنا.
وتضعنا الحياة أمام ظروف لا نختارها؛ اقتصاد يتغيّر، وأخبار تتلاحق، ومرض يربك الخطط، ووقت يمضي، وطقس يبدّل الترتيبات. تبقى لنا مساحة للعمل: نراجع إنفاقنا، وننظّم متابعتنا للأخبار، ونطلب الرعاية الصحية، ونرتّب أولوياتنا، ونعدّل خططنا بحسب المتاح. هكذا يتحوّل اهتمامنا إلى تصرّف نافع، بدل أن يستغرقنا القلق فيما لا نستطيع حسمه.
وما يقع خارج سيطرتنا قد يعنينا بعمق، وقد نستطيع التأثير فيه. المهم أن ندرك حدود دورنا، وألّا نجعل راحتنا معلّقة بنتيجة لا نملكها وحدنا. وقبل الاستغراق في أمر يشغلنا، لنسأل: ما مسؤوليتي هنا؟ وما الخطوة التي أستطيع اتخاذها؟ فالإجابة تعيد انتباهنا إلى ما يمكن إنجازه، وتخفّف انشغالنا بالاحتمالات.
همسة أمل ..
امنح ما يقع داخل دائرتك حقّه من العناية؛ عادة تحتاج إلى تغيير، أو قرارًا ينتظر الحسم، أو حدًّا يحفظ راحتك. ساند من تحب، واترك له مسؤولية التغيير. لا تؤجّل حياتك حتى يصبح الآخرون كما تتمنّى؛ فما تملكه اليوم من اختيار يستحق أن تبدأ به ..






