.
استهداف منشآت ومرافق الطاقة في جنوب المملكة صباح اليوم لا يقف عند حدود الاعتداء على مواقع داخل الأراضي السعودية، ولا يمكن اختزاله في حرائق أو توقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية. المسألة أوسع من ذلك؛ نحن أمام تهديد يختبر مجددا طريقة تعامل العالم مع خطر ترك له هامشا واسعا للتمدد، حتى انتقلت نيرانه من الداخل اليمني إلى أمن المنطقة ومصالح الاقتصاد الدولي.
أمن المملكة وسلامة مواطنيها ومقيميها ومقدراتها خط أحمر والمملكة لا تنتظر من أحد أن يتولى الدفاع عنها؛ دولة بحجمها وثقلها وقدراتها تعرف كيف تحمي أرضها وتصون سيادتها وتتعامل مع مصادر التهديد. لذلك لا أرى القضية في قدرة المملكة على الرد، فهذه محسومة، بقدر ما أراها في استمرار العالم في قراءة الخطر الحوثي بأقل من حجمه الحقيقي.
الحوثي ليس أزمة يمنية مغلقة على حدود اليمن سنوات طويلة من الصواريخ والطائرات المسيرة واستهداف المدن والمرافق والممرات البحرية قدمت ما يكفي لفهم طبيعة هذا المشروع. ومع كل مساحة يمنحها التردد الدولي لهذا الخطر، ترتفع كلفة التعامل معه، وتتسع الجغرافيا المعرضة لتداعياته.
استهداف منشآت الطاقة السعودية يكشف هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحا فالطاقة ليست شأنا محليا، واستقرار إمداداتها ليس مصلحة سعودية منفردة. خلف كل منشأة تمتد شبكة من المصالح والأسواق والصناعات وسلاسل الإمداد، وأي عبث بهذا القطاع يمكن أن يجد صداه في اقتصاد دول لا تقع بالقرب من ميدان الاعتداء ولا تعد نفسها طرفا فيه.
هنا تتشكل فاتورة الصمت الدولي ليست الفاتورة في عدد البيانات الصادرة بعد كل اعتداء، ولا في قوة مفردات الإدانة، وإنما في المسافة المتروكة بين معرفة الخطر واتخاذ موقف يوازيه. وكلما اتسعت هذه المسافة، اكتسب المعتدي مساحة جديدة لاختبار حدود الممكن.
•• القضية أيضا تتجاوز النفط والطاقة. المملكة تمثل ثقلا عربيا وإسلاميا واقتصاديا وسياسيا، وأمنها جزء رئيس من توازن المنطقة. لذلك فإن الاعتداء عليها يمس دائرة أوسع من حدودها، ويضع الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية لا تحتمل القراءة الموسمية للأحداث.
اليمن نفسه دفع، وما زال يدفع، الثمن الأكبر. شعب استنزفته الصراعات، وموارد كان يفترض أن تتجه إلى التنمية والتعليم والصحة وبناء المستقبل تحولت إلى أدوات حرب ومغامرات عسكرية لذلك فإن مواجهة المشروع الحوثي ليست موقفا ضد اليمن؛ هي في جوهرها دفاع عن حق اليمنيين في دولة لا تختطف قرارهم ولا تجعل بلادهم منصة لتهديد جيرانهم والعالم.
وصف الحوثي بالسرطان المتجدد ليس استعارة تبحث عن الإثارة. الخطر الذي لا يعالج في مصدره يتمدد، والخطر الذي يعتاد العالم التعايش معه لا يبقى عند المستوى نفسه وهذه ربما أخطر نتائج السنوات الماضية: تحول الاعتداء المتكرر لدى بعض العواصم إلى خبر يمكن احتواؤه ببيان، بدلا من التعامل معه بوصفه تهديدا تتراكم كلفته.
المملكة ستدافع عن أمنها، وهذه ليست موضع نقاش. السؤال الحقيقي يتجه إلى العالم: كم مرة يجب أن تقترب النيران من مصالحه حتى يدرك أن فاتورة الصمت لا يدفعها السعوديون وحدهم.
