صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

تحتفظ ذاكرة الإعلام السعودي بالكثير من القصص التي لم تُكتب تفاصيلها كاملة، رغم أنها تشكل جزءًا مهمًا من مسيرة الصحافة والإذاعة في المملكة. ومن بين هذه الذكريات ما أورده الإعلامي والكاتب عبدالكريم الخطيب  رحمه الله

في كتابه «من ذاكرة الإعلام.. مسيرة نصف قرن إعلام»، متحدثًا عن تجربة مبكرة لإصدار صحيفة في مدينة ينبع حملت اسم «البحر الأحمر».

وتعود القصة إلى عام 1380هـ، عندما تقدم عبدالكريم الخطيب، برفقة الأستاذ عباس فائق غزاوي والأستاذ غالب حمزة أبو الفرج، بطلب إلى الشيخ عبدالله بالخير، وزير الدولة لشؤون الإعلام آنذاك، للحصول على امتياز إصدار صحيفة يومية باسم مدينة ينبع، على أن تصدر في بدايتها بصورة أسبوعية مؤقتًا من مدينة جدة.

كان الطموح كبيرًا، وكانت ينبع تتهيأ لتكون واحدة من المدن التي تحتاج إلى منبر إعلامي يعبر عن حراكها وتطورها. إلا أن الرد جاء مختلفًا عما كان يأمله أصحاب الطلب؛ فقد استدعاهم الوزير بعد نحو أسبوعين، وأوضح لهم أن لديه مبدأ يقضي بألا ينشغل العاملون معه في المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر بأعمال جانبية.

خرج الثلاثة من مكتب الوزير وهم يعتقدون أن مشروعهم قد انتهى، لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الرفض لم يكن نابعًا من عدم تقدير للفكرة، وإنما من حرص المسؤول على الفصل بين العمل الرسمي والمشروعات الخاصة.

موقف يكشف نزاهة المسؤول

بعد سنوات، وتحديدًا عام 1402هـ، التقى الخطيب بالشيخ عبدالله بالخير في الرياض، خلال ندوة للأستاذ عبدالعزيز الرفاعي، رحمه الله. كان اللقاء فرصة لاستعادة ذكريات مرحلة مبكرة من تاريخ الإعلام السعودي.

ويكشف الخطيب في روايته جانبًا آخر من شخصية عبدالله بالخير؛ فقد كان الرجل يستعيد معه ذكريات الإذاعة، ويتحدث عن مراحل تطورها واستقطاب عدد من الكفاءات الإذاعية العربية، كما عبّر عن سعادته عندما كان يسمع أصوات الشباب السعوديين عبر الإذاعة.

ولم يفوّت الخطيب فرصة العتاب الودّي، فتذكّر أمامه قصة صحيفة «البحر الأحمر»، وسأله عن سبب عدم الموافقة على طلبهم آنذاك.

جاءت الإجابة صريحة: لو ساعدهم في إصدار الصحيفة، لاعتُبر ذلك مجاملة لأشخاص يعملون معه في المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر.

كانت إجابة تحمل في مضمونها معنى مهمًا: المسؤولية تقتضي أحيانًا أن يرفض الإنسان طلبًا يراه مشروعًا، حفاظًا على مبدأ يلتزم به.

وانتهى العتاب بروح المحبة، عندما أكد عبدالله بالخير للخطيب أن ما بينهما ظل صافيًا، وهو ما عبّر عنه بلهجته الحجازية الجميلة، ليغادر الخطيب اللقاء وقد بقيت العلاقة بينهما قائمة حتى رحيل الشيخ عبدالله بالخير.

عبدالله بالخير.. رجل من ذاكرة الإعلام

لا تقف شهادة الخطيب عند قصة صحيفة «البحر الأحمر»، بل تقدم صورة لشخصية لعبت دورًا في مرحلة التأسيس الإعلامي في المملكة.

فعبدالله بالخير كان من الشخصيات التي جمعت بين الإدارة والأدب والشعر، وكان حريصًا على أن تكون الإذاعة السعودية ملتزمة في خطابها وأدائها، وأن تقدم للمستمع محتوى يليق بمكانتها ومسؤوليتها.

ومن التفاصيل اللافتة التي يرويها الخطيب أنه في شهر رمضان عام 1380هـ كان مكلفًا بقراءة أقوال الصحف على الهواء مساءً، وعندما حضر إلى إدارة التنفيذ لاستلامها، أُبلغ بأنها أُرسلت إلى الوزير للاطلاع عليها قبل بثها.

ومع ضيق الوقت، توجه الخطيب إلى مكتب الوزير، وتمكن خلال دقائق من استلام أقوال الصحف، ثم صعد بها إلى الاستوديو ليقرأها على الهواء.

هذه الحادثة الصغيرة في ظاهرها تختصر جانبًا من طبيعة العمل الإعلامي في تلك المرحلة؛ إذ كانت المادة التي تصل إلى المستمع تمر بمراجعة دقيقة، وكان المسؤول يرى أن الإذاعة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما منبر له مسؤولية أدبية ومهنية.

من حلم ينبع إلى ذاكرة وطنية

قصة «البحر الأحمر» ليست مجرد حكاية عن صحيفة لم ترَ النور في ذلك الوقت، وإنما هي شهادة على حيوية الحركة الإعلامية السعودية في سنواتها الأولى، وعلى الطموحات التي حملها جيل من الإعلاميين الذين آمنوا بأن الصحافة يمكن أن تكون صوتًا للمدينة والمجتمع.

كما تكشف الرواية عن مرحلة كان فيها الإعلام السعودي يتشكل خطوة بعد أخرى، من الإذاعة إلى الصحافة، ومن المبادرات الفردية إلى المؤسسات الإعلامية التي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي والمعرفي في المملكة.

وتأتي أهمية كتاب «من ذاكرة الإعلام.. مسيرة نصف قرن إعلام» في أنه لا يقدم التاريخ من خلال الأحداث الكبرى وحدها، وإنما يحفظ لنا التفاصيل الإنسانية والمواقف اليومية والحوارات التي صنعت ذاكرة الإعلاميين.

ولعل قصة صحيفة «البحر الأحمر» تفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ الصحافة في المدن السعودية، ومنها ينبع، التي ارتبط اسمها بالبحر والتجارة والصناعة والثقافة، وكان من الطبيعي أن تبحث مبكرًا عن نافذة إعلامية تعبر عن صوتها وتحولات مجتمعها.

إن توثيق مثل هذه الذكريات ليس استعادة للماضي فحسب، بل هو حفظ لذاكرة وطنية تستحق أن تعرفها الأجيال الجديدة؛ فالإعلام الذي نراه اليوم لم يبدأ من فراغ، وإنما تشكل عبر جهود رجال حملوا الحلم، وعملوا في ظروف مختلفة، وتركوا خلفهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى