صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

حين يكتب المؤرخ عن مدينته، فإنه لا يوثق حجارتها وشوارعها وأسماء رجالها فحسب، بل يحفظ ذاكرة أجيال كاملة من النسيان. وهذا ما فعله المؤرخ والأديب الراحل عبدالكريم محمود الخطيب (1933–2023م)، ابن ينبع، الذي كرس جانبا كبيرا من حياته لخدمة التاريخ والثقافة والأدب، وترك وراءه إرثا علميا وأدبيا يستحق أن يستعاد ويقرأ ويحفظ للأجيال.

كان عبدالكريم الخطيب رحمه الله واحدا من أبناء جيل أدركوا مبكرا أن المدن لا تعرف بحاضرها وحده، وإنما بتاريخها ورجالاتها وحكايات أهلها. ولذلك جاء كتابه «تاريخ ينبع» شاهدا على تعلقه بمسقط رأسه وحرصه على أن تبقى تفاصيلها حاضرة في الذاكرة الوطنية.

ولم يكن الخطيب مؤرخا بالمعنى التقليدي للكلمة، فقد امتدت تجربته إلى الأدب والرواية والسيرة النبوية، وبلغ عدد مؤلفاته نحو سبعين مؤلفا، في تنوع يعكس سعة اهتمامه وثراء تجربته الفكرية. وقد استطاع من خلال هذا الإنتاج أن يجمع بين الباحث الذي ينقب في المصادر، والأديب الذي يلتقط جمال الحكاية، والكاتب الذي يؤمن بأن الكتابة مسؤولية تجاه الوطن والتاريخ.

وتأتي التكريمات التي حظي بها الراحل لتؤكد المكانة التي وصل إليها في مسيرته العلمية والثقافية. ففي عام 1420هـ، كرمته وزارة الثقافة والإعلام، ممثلة في معرض الرياض الدولي للكتاب، ضمن رواد التاريخ في المملكة العربية السعودية، وهو تكريم يعكس تقدير المؤسسات الثقافية لإسهاماته في مجال التاريخ والتوثيق.

وفي 23 محرم 1427هـ، منحته وزارة التعليم العالي «ميدالية التكريم الخاصة برواد المؤلفين السعوديين»، تقديرا لدوره في مسيرة التأليف والفكر في المملكة، وهي شهادة أخرى على حضور اسمه بين رواد الحركة الثقافية والتأليفية السعودية.

ثم جاء عام 2012م ليحمل تكريما مهما في مسيرته، عندما نال براءة جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز التقديرية للمتميزين في دراسات وبحوث تاريخ الجزيرة العربية، التي تمنحها دارة الملك عبدالعزيز، تقديرا لما قدمه في مجال البحث والدراسة والتوثيق التاريخي.

كما حظي بتكريم عدد من المؤسسات الثقافية والأدبية، من بينها النادي الأدبي بالمدينة المنورة والنادي الأدبي في الباحة، وكان عضوا في اتحاد المؤرخين العرب والجمعية التاريخية السعودية. ونال كذلك تكريم الرئاسة العامة لرعاية الشباب، في عهد الأمير فيصل بن فهد – رحمه الله – في مجال الثقافة والتراث والفنون، تقديرا لإسهاماته الثقافية والفكرية.

لكن بعيدا عن الأوسمة وشهادات التكريم، يبقى التكريم الأكبر الذي تركه عبدالكريم الخطيب هو ما كتبه وما وثقه وما حفظه من ذاكرة المكان.

فقد أدرك أن ينبع ليست مجرد مدينة على ساحل البحر الأحمر، وإنما حكاية ممتدة في عمق التاريخ، ومدينة أنجبت رجالا وشخصيات كان لهم حضورهم في مسيرة الوطن. ولذلك انشغل بتوثيق تاريخها ورجالاتها، وجمع الروايات والمعلومات، وحاول أن يجعل من الكتاب وسيلة لحفظ الذاكرة من الضياع.

وهنا تكمن أهمية المؤرخ الحقيقي؛ فهو لا يكتب للماضي وحده، وإنما يكتب للمستقبل أيضا. وما يدونه اليوم قد يصبح غدا المصدر الذي يعود إليه الباحث، والوثيقة التي يستند إليها المؤرخ، والحكاية التي يتعرف من خلالها الأبناء والأحفاد على تاريخ مدينتهم ووطنهم.

لقد أفنى عبدالكريم الخطيب جانبا كبيرا من حياته في خدمة الثقافة والتأليف والتاريخ، وكان وفيا لينبع التي أحبها وكتب عنها، حتى أصبح اسمه جزءا من ذاكرتها الثقافية.

واليوم، وبعد رحيله في عام 2023م، تزداد الحاجة إلى قراءة مؤلفاته وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة، وربما جمع ما كتب عنه وما تركه من مخطوطات ووثائق وصور ومراسلات في أرشيف ثقافي يوثق مسيرته. فمثل هذه الشخصيات لا ينبغي أن تنتهي سيرتها برحيل أصحابها، بل يجب أن تستمر كتبهم وأعمالهم شاهدا على عطائهم.

عبدالكريم محمود الخطيب لم يكن مجرد مؤرخ كتب عن ينبع؛ كان واحدا ممن حملوا ذاكرة المدينة على عاتقهم، ووضعوها في صفحات الكتب حتى لا تضيع. ولذلك فإن الوفاء له لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بحفظ إرثه، وإعادة نشر أعماله، وتعريف الأجيال الجديدة بإسهاماته، ليظل اسمه حاضرا في المشهد الثقافي والتاريخي للمملكة.

رحم الله عبدالكريم الخطيب رحمة واسعة، وجزاه عن ينبع وتاريخها وثقافتها خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم وتأليف وتوثيق علما ينتفع به، وأثرا طيبا باقيا في ذاكرة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى