.

حين كنا صغارًا، كانت أحلامنا أوسع من حدود الواقع. نحلم بعفوية، ونرى أنفسنا في أماكن كثيرة، ونخبر والدينا بما نريد أن نصبح عليه حين نكبر، دون أن نعرف شيئًا عن الممكن والمستحيل.
بعض تلك الأحلام كان يجد التشجيع، وبعضها يُقابل بالرفض أو الاستبعاد، وربما بجملة عابرة مثل: «هذا لا يناسبك» أو «لن تنجح فيه» أو «ابحث عن شيء أفضل».
وكنا في عمر لا نملك فيه الوعي الكافي لنفصل بين رأي الآخرين في قدراتنا وبين حقيقة ما نستطيع أن نكونه.
كبرنا، لكن بعض الأحلام بقي في زاوية بعيدة من الذاكرة؛ يظهر كلما مررنا بشيء يشبهه، وكأن حكمًا صدر عليه في طفولتنا ما زال نافذًا حتى اليوم.
والمفارقة أن الإنسان قد يكتشف بعد سنوات أنه يمتلك بالفعل ما يحتاجه ذلك الحلم؛ فيجد نفسه بارعًا في الكتابة التي قيل له يومًا إنها لن تصنع له مستقبلًا، أو مبدعًا في الفن الذي عُدّ مجرد هواية، أو قادرًا على الوقوف أمام الناس والتأثير فيهم رغم أنه نشأ معتقدًا أنه لا يصلح لذلك.
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف:
كم حلمًا تخلينا عنه لأننا لم نستطع تحقيقه، وكم حلمًا تخلينا عنه لأن أحدًا أقنعنا مبكرًا بأننا لا نستطيع؟
فالطفل لا يستقبل أحكام الكبار دائمًا باعتبارها وجهات نظر قابلة للنقاش، بل قد يتلقاها بوصفها حقائق. ومع التكرار تتحول بعض الكلمات إلى قناعات راسخة، ثم نكبر وننسى مصدرها، ونظن أن الصوت الذي يقول في داخلنا «لا أستطيع» هو صوتنا، بينما قد لا يكون سوى صدى لكلمة قديمة.
ولعل هذا يقترب من المعنى المنسوب إلى كارل يونغ: «إلى أن تجعل اللاوعي واعيًا، سيقود حياتك وستسميه قدرًا».
ومن علامات النضج أن نراجع ما استقر في داخلنا، لا لنحاكم الماضي، بل لنسأل: هل ما زال صحيحًا؟ وهل كان حكمًا موضوعيًا على قدراتنا، أم رؤية وُلدت في زمن وظروف لم تعد موجودة؟
وهذا لا يعني التمرد على والدينا أو إنكار حسن نياتهم؛ فكثير من آرائهم كان نابعًا من الخوف علينا، ومن تجاربهم وما كانوا يرونه أكثر أمانًا لمستقبلنا. لكن العالم تغيّر، وما كان بعيد المنال بالأمس قد يصبح ممكنًا اليوم، وما كانت أبوابه محدودة اتسعت مساراته وتعددت أدواته.
فاحترام من ربّانا لا يعني أن نظل أسرى لكل تصور قديم عن أنفسنا.
وليس كل ما ورثناه عن طفولتنا ذكريات؛ بعض ما ورثناه تصورات عن أنفسنا، وقد نمضي سنوات نعيش وفقها قبل أن نسأل إن كانت تخصنا حقًا.
واليوم، ربما حان الوقت لأن نضع تلك الأحلام أمام وعينا الحالي؛ لا لنحققها جميعًا لمجرد أنها أمنيات طفولة، بل لنختار منها ما يلائم قدراتنا وقيمنا وحياتنا.
قد نكتشف أن بعضها انتهى دوره، وأن تجاوزه كان نضجًا لا خسارة. وقد نجد بينها حلمًا لم يفقد معناه، وإنما ظل ينتظر فرصة حقيقية للسعي نحوه.
ولعل من مسؤولية الوعي أيضًا ألا نورّث أبناءنا القيود التي احتجنا سنوات لنتحرر منها. فلا نختار أحلامهم نيابةً عنهم، ولا نحاصر طموحاتهم بمخاوفنا وتجاربنا، بل نساعدهم على اكتشاف ميولهم وقدراتهم، ونعلّمهم أن يوازنوا بين ما يحلمون به وما يستعدون لبذله من أجله.
فالكلمة التي نقولها لطفل اليوم قد تصبح غدًا جناحًا يحمله، أو سقفًا يحدّه.
وقد عبّر محمود درويش عن تلك المسافة بين الحلم وإمكان تحققه حين قال:
«هل في وسعي أن أختار أحلامي، لئلا أحلم بما لا يتحقق؟»
وربما هنا تكمن الفكرة كلها: لسنا مطالبين باستعادة كل ما تمنيناه يومًا، وإنما بأن نمنح ما استبعدناه مبكرًا فرصةً لأن نراه كما هو، بعيدًا عن الأحكام التي سبقت معرفتنا بأنفسنا.
همسة أمل ..
لا تعودوا إلى أحلام الأمس حنينًا إلى طفولة مضت، ولا تحاولوا تحقيق كل أمنية قديمة لمجرد أنها بقيت في الذاكرة. انظروا إليها بوعي من أصبحتم اليوم؛ فما انتهى دوره اتركوه بسلام، فالتخلي عن بعض الأحلام نضج، وما بقي حيًّا في داخلكم اختبروه بقدراتكم وما تعلمتموه والفرص التي أصبحت بين أيديكم.
فليس متأخرًا كل ما تأخر، وليست كل الأحلام المؤجلة أحلامًا ضائعة. بعضها ربما كان يحتاج فقط أن نبلغ من الوعي ما يجعلنا قادرين على اختياره بأنفسنا؛ نعرف ماذا نريد، ولماذا نريده، وما الذي نستطيع أن نبذله من أجله.
ويبقى السؤال الأصدق:
لو لم يقل لنا أحد يومًا إننا لا نستطيع… فهل كنا سنختار الطريق نفسه الذي نعيشه الآن؟






