صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ينبع.. حين كان للبساطة طعم وللجيرة معنى

.

لم تكن مدينة ينبع يومها تعرف هذا الزحام الذي يرهق شوارعها، ولا هذا التسارع الذي جعل الناس يركضون خلف الوقت، ولم تكن مواقع التواصل حاضرة لتوثّق كل صغيرة وكبيرة.

كانت ينبع مدينة يعرف أهلها بعضهم بعضًا، ويعرف الجار جاره، وتُفتح الأبواب للضيف دون موعد، وتُمد يد المساعدة قبل أن يطلبها صاحب الحاجة.

في ينبع الماضي كانت الفزعة ثقافة، والكرم عادة، وحسن الجوار قيمة لا تحتاج إلى توصية. كان الرجل يعرف أن وقوفه مع جاره وقت الحاجة ليس فضلاً منه، وإنما واجب تفرضه المروءة والأخلاق.

وكانت أحياء ينبع القديمة تحمل روحًا اجتماعية لا نجدها بالسهولة نفسها اليوم؛ الأطفال يلعبون في الحارة، والكبار يجلسون أمام البيوت، والناس يتبادلون السلام والسؤال، وتجمعهم المناسبات والأفراح والأحزان.

حتى الأسواق القديمة كانت لها حكايتها؛ البائع يعرف زبونه، والزبون يعرف البائع، والثقة بينهما أسبق من الفاتورة، والكلمة لها وزنها، والوعد مسؤولية.

وكانت ينبع، رغم بساطة الحياة، غنية بأهلها.

لم تكن الرفاهية يومها تُقاس بما نملك، وإنما بمن حولنا. كان اجتماع العائلة فرحًا، وزيارة الصديق مناسبة، ولقاء الجيران عادة، والقهوة التي تُقدّم للضيف عنوانًا للترحاب.

أما اليوم، فقد كبرت ينبع وتغيرت ملامحها، واتسعت شوارعها وارتفعت مبانيها، وأصبحت مدينة عالمية تستقطب المستثمرين والزوار من داخل المملكة وخارجها، وهذا تطور نفخر به ونعتز به.

لكن وسط كل هذا التطور، يبقى سؤال مهم:

هل يمكن أن نأخذ من ينبع الحديثة تطورها، ومن ينبع القديمة روحها؟

فالحنين إلى الماضي ليس رفضًا للحاضر، ولا دعوة للعودة إلى الوراء، وإنما هو تذكير بقيم جميلة لا ينبغي أن تتغير مهما تغيرت المدن.

نريد ينبع حديثة، لكن بروحها القديمة.

نريد طرقًا منظمة، وأحياءً متطورة، ومشاريع عالمية، وفي الوقت نفسه نريد جارًا يسأل عن جاره، وصديقًا لا تنقطع أخباره، وشابًا يعرف معنى الفزعة، ورجلًا يحفظ المعروف، وأسرة تجتمع حول مائدة واحدة دون أن تكون الهواتف هي الحاضر الأكبر.

ينبع في الماضي لم تكن أجمل لأنها كانت أبسط فقط، بل لأنها كانت أكثر قربًا بين الناس.

وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لينبع اليوم أن نحافظ على ذاكرتها، ونستعيد قيمها، ونمنح أبناءها الجدد فرصة أن يعرفوا كيف كانت هذه المدينة… حين كان للبساطة طعم، وللجيرة معنى، وللشهامة حضور.

تلك هي ينبع في الماضي…

مدينة قديمة في ذاكرتنا، لكنها لا تزال قادرة على أن تعلمنا الكثير عن معنى الحياة الجميلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى