.
تخيّل أنك تقف على المرفأ، وأمامك سفينة تستعد لرحلة طويلة. تتأملها فتلمح ثقبًا في جانبها. تعرف أن البحر لا يجامل، وأن الثقب الصغير قد يتسع حين تشتد الأمواج، ومع ذلك تصعد إليها. لا لأنك لم ترَ الخطر، بل لأنك راهنت على شيء آخر. قلت في داخلك: ربما يكون البحر هادئًا، ربما نستطيع إصلاحه في الطريق… وربما يصنع الحب ما تعجز عنه كل الحسابات.
ثم تمضي الرحلة، ويبدأ الماء بالتسلل، حتى تتحول تلك الـ«ربما» إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها. عندها لا يعود السؤال: كيف غرقت السفينة؟ بل: لماذا أبحرتُ بها وأنا أرى الثقب؟
تُنسب إلى الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي عبارة تختصر هذا المشهد الإنساني: «لقد رأيتُ الثقب في سفينتك منذ اليوم الأول للرحلة، ولكنني قررتُ الإبحار معك ظنًّا مني بأن الحب يصنع المعجزات.»
هذه الصورة لا تحكي عن سفينة بقدر ما تحكي عن الإنسان حين يرى الإشارة الأولى ثم يمنحها تفسيرًا يطمئنه. يحدث ذلك في العلاقات والصداقات والشراكات والقرارات؛ نلمح ما يستحق التوقف، لكننا نراهن على أن القادم سيكون مختلفًا، ونمنح ما نتمناه سلطة أكبر مما نراه.
ولعل بعض الخيبات لا تؤلم لأنها فاجأتنا، بل لأنها أعادت إلى ذاكرتنا إشارات قديمة فهمنا معناها متأخرًا. وهنا يظهر الفارق بين الأمل والإنكار؛ فالأمل يستند إلى واقع يتحسن وإرادة تتحرك، أما الإنكار فيعيش على احتمالات نكررها لأن الحقيقة لا توافق ما نريد.
فالإنسان قد لا يتعلق بما هو موجود فعلًا، بل بما يتخيل أنه سيصبح عليه. يرى إمكانات في شخص، ومستقبلًا في علاقة، ونجاحًا في مشروع، ثم يتعامل مع الصورة المحتملة وكأنها حقيقة مكتملة. ومن هنا تبدأ إحدى أكثر خدع التوقعات قسوة: أن نعيش مع الممكن ونغفل عن الموجود.
ولا يعني الوعي أن نطلب الكمال أو ننسحب عند أول عثرة؛ فكل تجربة إنسانية تحمل نقصها وأخطاءها. إنما المعيار الحقيقي هو ما يحدث بعد ظهور الخلل: هل هناك اعتراف ومسؤولية وتغيير، أم تبرير وتكرار ووعود مؤجلة؟
فالمشكلة ليست في وجود الثقب وحده، وإنما في أن يكون أحدهم منشغلًا بإخراج الماء، بينما يتصرف الآخر وكأن السفينة بخير.
عندها يصبح الصبر استنزافًا، والتسامح غطاءً لتكرار الخطأ، والوفاء عبئًا يحمله طرف واحد. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يهلك حتى يثبت إخلاصه، ولا أن يتحمل إلى ما لا نهاية حتى يقال إنه صبر. هناك فرق بين مساندة من يسعى إلى الإصلاح، وبين تولّي مسؤولية إصلاح ما لا يخصك وحدك.
وهذه الفكرة تتجاوز العلاقات إلى خيارات كثيرة في الحياة. فقد نبقى في عمل يستنزفنا خوفًا من المجهول، أو نتمسك بشراكة فقدنا الثقة بأساسها، أو نواصل طريقًا لأننا قطعنا فيه مسافة طويلة. لكن ما أنفقناه من وقت لا يجعل الاستمرار واجبًا، والطريق الذي اكتشفنا خطأه لا يصبح صحيحًا لأننا مشينا فيه طويلًا.
ولهذا ليست الشجاعة دائمًا في الاستمرار. أحيانًا تكون في التوقف، ومراجعة القرار، والاعتراف بأن بعض المعارك لا تستحق المزيد من العمر. فالنضج لا يُقاس بقدرتنا على الاحتمال وحدها، بل بقدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن نصبر من أجله وما ينبغي أن نتركه.
ولعل أهم سؤال تتركه لنا الرحلات الصعبة ليس: من كان المخطئ؟ بل: ماذا تعلمنا؟
نتعلم أن الإشارات المبكرة تستحق الانتباه، وأن الأفعال أصدق من الاحتمالات، وأن حسن الظن لا يعني تعطيل البصيرة، وأن منح الفرصة لا يعني منح فرص بلا نهاية.
كما نتعلم ألا نحول التجربة إلى خوف دائم. فليس المطلوب أن نتجنب البحر لأن سفينة خذلتنا، وإنما أن نصبح أكثر وعيًا ونحن نختار السفينة والرفقة والوجهة. فالتجربة الناضجة لا تغلق أبواب الحياة، بل تجعلنا ندخلها بمعايير أوضح.
وفي النهاية، ربما لم يكن خطؤنا أننا أبحرنا بحسن نية، وإنما أن بعضنا ظل طويلًا يعتقد أن صدق النية وحده قادر على تغيير اتجاه الرحلة. والحقيقة أن المشاعر تستطيع أن تساند، والأمل يستطيع أن يمنح فرصة، لكن الإصلاح يحتاج إلى مسؤولية وإرادة وفعل.
فليس كل ما نراه ناقصًا يستحق المغادرة، وليس كل ما نحبه يستحق البقاء. وبين الاثنين يقف الوعي ليخبرنا متى نحاول، ومتى ننتظر، ومتى يكون الرحيل هو القرار الأكثر حكمة.
همسة أمل ..
لا تندم على سفينة أبحرت بها يومًا بحسن نية، لكن خذ من الرحلة ما يجعلك أكثر وعيًا في المرة القادمة.
فالحكمة ليست ألا نبحر مرة أخرى، بل ألا نرى الثقب ثم نطلب من الأمل أن يقنعنا بأنه غير موجود
وفي النهاية، ربما لم يكن خطؤنا أننا أبحرنا بحسن نية، وإنما أن بعضنا ظل طويلًا يعتقد أن صدق النية وحده قادر على تغيير اتجاه الرحلة. والحقيقة أن المشاعر تستطيع أن تساند، والأمل يستطيع أن يمنح فرصة، لكن الإصلاح يحتاج إلى مسؤولية وإرادة وفعل.
فليس كل ما نراه ناقصًا يستحق المغادرة، وليس كل ما نحبه يستحق البقاء. وبين الاثنين يقف الوعي ليخبرنا متى نحاول، ومتى ننتظر، ومتى يكون الرحيل هو القرار الأكثر حكمة.
لا تندم على سفينة أبحرت بها يومًا بحسن نية، لكن خذ من الرحلة ما يجعلك أكثر وعيًا في المرة القادمة.
فالحكمة ليست ألا نبحر مرة أخرى، بل ألا نرى الثقب ثم نطلب من الأمل أن يقنعنا بأنه غير موجود ….






