صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

في مثل هذا اليوم جئت إلى الدنيا صفحةً بيضاء، لا أعرف من الحياة شيئًا، ولا أدري أي الطرق سأعبر، ولا أي الوجوه ستبقى في ذاكرتي، ولا أي نسخة مني ستصنعها السنوات.

جئت بلا حكايات، ثم مضت الأعوام تكتب سطورها؛ أفراحًا وأوجاعًا، نجاحات وعثرات، لقاءات وغيابات، ومواقف لم أفهم معناها حين حدثت، ثم أدركت بعد زمن أنها كانت تضع في داخلي شيئًا من الوعي. واليوم، حين يعود التاريخ الذي بدأت فيه حكايتي، لا أسأل كم مضى من العمر، بقدر ما أتأمل: ماذا صنعت بي تلك الأعوام؟ وماذا صنعتُ أنا بها؟

«مضى عامٌ عرفتُ به نفسي…»

ولعل معرفة الإنسان بنفسه من أثمن ما تمنحه السنوات؛ فكم نقضي من أعمارنا في فهم الآخرين، وننسى أن أطول علاقة نخوضها في الحياة هي علاقتنا بأنفسنا. ومع الأيام ندرك أن الوقت لا يُعوَّض، وأن للكلمة أثرًا قد يعيش أطول من قائلها، وأن النوايا الطيبة رزق، وأن راحة البال مكسب لا يعادله كثير مما نسعى إليه.

ونفهم أن بعض ما تمنيناه ولم يحدث كان رحمة، وأن بعض ما تأخر جاء في موعده الأجمل، وأن طرقًا ظنناها بعيدة عن أحلامنا كانت تقودنا إلى أماكن لم نكن نعرف أننا بحاجة إليها.

«تغيّرتُ.. نعم! وازددتُ بأسًا

وألبسني الكفاحُ هنا جلالًا»

وما عدت أخشى التغيّر؛ فما قيمة السنوات إن مرّت بنا ولم تغيّر فينا شيئًا؟ فالزمن يعيد ترتيب رؤيتنا للحياة؛ أشياء كانت تشغلنا تفقد أهميتها، وأخرى لم نكن نلتفت إليها تصبح أثمن ما نملك. نتعلم أن نختار معاركنا، وأن نعرف متى نمضي ومتى نتوقف، ومتى يكون التمسك قوة ومتى يكون التخلي حكمة.

لهذا لم أعد أنظر إلى العمر بما أخذه مني، بل بما أضافه إليّ؛ عرفت معنى الوفاء، ورأيت معادن البشر، وتعلمت من أخطائي، واكتشفت في الأيام الصعبة قوة لم أكن أعرف أنها تسكنني.

«أنا الصبرُ الذي جارتْ عليه

ليالي الدهرِ، لكن ما استمالا»

وحين ألتفت إلى الوراء، لا تستوقفني السنوات الأسهل بقدر ما تستوقفني تلك التي صنعت الفارق؛ أعادت تشكيل أفكاري، وهذّبت انفعالاتي، وعلّمتني أن قيمة التجربة ليست فيما حدث خلالها، بل فيما أصبحنا عليه بعدها.

وهنا يتغير معنى العمر؛ فالسؤال ليس: كم عشنا؟ بل: كيف عشنا؟ وماذا أضفنا إلى الحياة ونحن نعبرها؟ وما الذي سيبقى منا حين تصبح أيامنا ذكرى؟

«فخورٌ بالذي قد صرتُ فيهِ

وبالنُّدوبِ التي زادتْ جمالًا»

ومن حق الإنسان أن يفخر بما أصبح عليه، لا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنه واصل السير وتعلّم من عثراته. ومن حقه أيضًا أن يشكر نسخه القديمة؛ تلك التي اجتهدت بوعيها آنذاك، وأخطأت وتعلمت، فلولاها لما وصل إلى الإنسان الذي يقف اليوم أكثر فهمًا لنفسه.

«بنيتُ من الركامِ رفيعَ مجدي

ولم أطلبْ من الخلقِ النوالا»

ومع مرور العمر ندرك أن أجمل ما نتركه ليس ما جمعناه، بل ما زرعناه؛ كلمة خففت عن قلب مثقل، وفكرة فتحت نافذة في عقل، وموقفًا بقي في الذاكرة، وخلقًا حسنًا ظل شاهدًا على أثرنا. فذلك هو الرصيد الذي لا تنقصه الأيام.

همسة أمل ..

حين يعود التاريخ الذي بدأت فيه رحلتك مع الحياة، لا تجعله مناسبة لعدّ الأعوام فقط، بل فرصة لعدّ النعم. انظر إلى ما مضى بامتنان؛ ليس لأن كل ما حدث كان جميلًا، بل لأن كل مرحلة تركت فيك معرفة أو حكمة أو معنى.

تأمل كم من أمنية كانت يومًا دعاءً فأصبحت اليوم جزءًا من حياتك، وكم من أمر حزنت لأنه لم يحدث ثم أدركت أن عدم حدوثه كان لطفًا. ثم استقبل القادم بقلب موقن بأن عامًا جديدًا ليس مجرد رقم يُضاف إلى العمر، بل مساحة لما لم يُكتب بعد.

«فأهلًا بميلادي الجديدِ

وأهلًا بالذي للغيمِ طالا»

ففي مثل هذا اليوم جئت إلى الدنيا صفحةً بيضاء… واليوم لم تعد الصفحة بيضاء؛ امتلأت بحكايات وتجارب ووجوه وذكريات ودروس. بعض سطورها كتبتها بيدي، وبعضها كتبتها الحياة دون أن تستأذنني.

لكن الصفحات التي مضت، مهما حملت، لا تمنعنا من أن نكتب ما تبقى بصورة أجمل.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يزداد عمر الإنسان، بل أن تزداد قيمة عمره…وما دام في العمر متسع للكتابة، فليكن القادم مما يستحق أن يبقى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى