.

حوارٌ عن الناس الذين يدخلون حياتنا… فيوسّعون أرواحنا أو يضيّقونها، وعن السؤال الذي لا نطرحه إلا بعد فوات الأوان: من أكون عندما أكون معهم؟
كان الليل ينسحب من أطراف السماء حين وقف الفتى أمام بيتٍ صغير لا يشبه بيوت أصحاب الشهرة. لا حراسة، ولا بوابة عالية، ولا شيء يوحي بأن خلفه رجلاً يرى في الناس ما يعجزون عن رؤيته في أنفسهم. من نافذة ضيقة تسللت إضاءة صفراء خافتة، كأنها عين لا تنام.
طرق الباب، فجاءه صوت هادئ: «ادخل.»
دخل فوجد الحكيم قرب النافذة، أمامه كوب شاي بارد. لم يسأله من يكون، بل أشار إلى الكرسي المقابل. جلس الفتى وقال:
«كيف أعرف من أختار ليكون حولي؟»
نظر إليه الحكيم قليلاً، ثم قال:
«أنت لا تبحث عن طريقة للاختيار… بل عن طريقة تمنعك من أن تتأذى مرة أخرى.»
قال الفتى: «لقد وثقت بأشخاص، ثم اكتشفت أنني أخطأت في اختيار بعضهم.»
فقال الحكيم:
«لا تدخل الحياة وأنت تبحث عن ضمانٍ ألا يؤذيك أحد. ادخلها وأنت تعرف حدودك، ومتى تمنح الثقة، ومتى تسحبها، ومتى يصبح البقاء إهانةً لنفسك.»
سأل الفتى: «وكيف أعرف الإنسان الجيد؟»
قال الحكيم:
«راقبه حين لا يحتاج منك شيئاً: كيف يعامل الضعفاء، كيف يتحدث عن الغائبين، كيف يرى نجاح غيره، وكيف يتصرف حين تقول له: لا. فالإنسان يستطيع أن يمثل أمام من يريد كسبه، لكنه لا يستطيع أن يمثل أمام من لا يحتاجه.»
ثم قال الفتى: «وماذا عن الذي يوافقني دائماً؟»
قال الحكيم:
«أخطر من حولك هو من يوافقك خوفاً من خسارتك. أنت لا تحتاج إلى من يصفق لك وأنت تسير نحو الهاوية، بل إلى من يمسك بيدك قبل أن تصل إليها، حتى لو غضبت منه.»
سأل الفتى: «وماذا عن النصيحة القاسية؟»
قال الحكيم:
«فرّق بين من يؤلمك لينقذك، ومن يؤلمك ليحطمك. الأول يتركك راغباً في أن تصبح أفضل، والثاني يتركك تكره نفسك.»
قال الفتى: «وماذا عن شخص أحبه، لكنه يجرني إلى ما لا يشبهني؟»
قال الحكيم:
«ليس كل من يحبك يعرف كيف يحبك. واحذر من الذي يجعل الخيانة اختباراً للوفاء، فمن يحبك لا يطلب منك أن تخسر أخلاقك لتثبت له أنك تحبه.»
وحين سأله الفتى عن العِشرة، قال الحكيم:
«السنوات تمنح الإنسان مكاناً في ذاكرتك، لكنها لا تمنحه حصانة من المراجعة. قد يمشي معك شخص عشرين عاماً ثم يتغير، وقد تقابل شخصاً منذ شهر فتجد فيه من النبل ما لم تجده في عشرين سنة.»
ثم أضاف:
«لا تبحث عن الإنسان الكامل، بل عن الإنسان الذي يعرف عيوبه، لأن من يعرف عيبه يستطيع أن يحاربه، أما من يعتقد أنه كامل فسيدافع عن عيبه وكأنه فضيلة.»
سأل الفتى: «ومتى أبتعد؟»
قال الحكيم:
«حين تخجل من نجاحك أمامه، أو يتحول كل حديث إلى مقارنة، أو يستخدم أسرارك كسلاح، أو لا يعرف الاعتذار، أو لا يحترم كلمة لا، أو تجد نفسك تتنازل عن مبادئك حتى لا تخسره. أخطر علاقة هي التي تجعلك تخسر نفسك قليلاً كل يوم.»
قال الفتى بصوت منخفض: «لكنني متعلق به.»
قال الحكيم:
«التعلق ليس دليلاً على صحة العلاقة. أحياناً نتعلق بما يؤذينا لأننا اعتدنا عليه، وأحياناً نخاف الفراغ فنفضّل الشخص الخطأ على الوحدة.»
سأل الفتى: «وهل الوحدة أفضل؟»
قال الحكيم:
«الوحدة المؤقتة أفضل من صحبةٍ تجعلك غريباً عن نفسك. أعطِ الناس فرصة، لكن اجعل الثقة درجات.»
وحين سأله الفتى عن العائلة، قال الحكيم:
«صلة الرحم لا تعني إلغاء الحدود. يمكنك أن تحب دون أن تقبل الإهانة، وأن تسامح دون أن تعيد الثقة كما كانت. العفو يحررك من الماضي… أما الثقة فتحتاج إلى دليل جديد.»
ثم قال الحكيم:
«راقب أثر الإنسان فيك، هل تخرج من عنده أكثر هدوءاً أم اضطراباً؟ أكثر حكمة أم تهوراً؟ أقرب إلى نفسك أم أبعد عنها؟ بعض الناس لا يؤذونك بكلمة، لكنهم يتركون في روحك فوضى، وبعضهم لا يقول كلاماً عظيماً، لكنك بعد لقائهم تشعر أنك أقوى.»
وحين طلب الفتى خلاصة الحكمة، قال الحكيم:
«لا تبحث عمّن يملأ مقعداً إلى جوارك… ابحث عمّن يستحق أن يكون شاهداً على حياتك.»
وقبل أن يغادر الفتى، قال الحكيم:
«لا تجعل اختيارك للناس أكبر من اختيارك لنفسك. كن أنت أول شخص يستحق أن يعيش معك.»
خرج الفتى إلى الشارع، والمدينة كما هي، لكن شيئاً فيه تغيّر. لم يعد يسأل: من يحبني؟ بل أصبح يسأل:
«من أكون عندما أكون معه؟»
وهنا فهم أن اختيار من حوله ليس قراراً اجتماعياً عابراً… بل اختيار للحياة التي سيعيشها، وللإنسان الذي سيصبحه. فمن حوله يوقظون أجمل ما فيه أو يدفنونه، يوسّعون روحه أو يضيّقونها، يتركون فراغاً أو يتركون درساً، والقليل النادر… يترك فيك نوراً.
فإن وجدت واحدًا منهم… فاحفظه.






