“السروات” و”طويق”..السعودية تبني جيلًا جديدًا من قوتها البحرية
الرياض – مفاكرة
12 سفينة قتالية ضمن مشروعي «السروات» و«طويق»، ومنظومات سعودية لإدارة المعارك، وبرامج لتأهيل المهندسين والأطقم البحرية، تشكل ملامح مرحلة جديدة في تطوير القوات البحرية الملكية السعودية، تتجاوز تحديث الأسطول إلى بناء قدرات وطنية تمتلك المعرفة التقنية والخبرة التشغيلية اللازمة لاستدامة القوة البحرية وحماية المصالح الإستراتيجية للمملكة.

تمضي المملكة في إعادة تشكيل قدراتها البحرية من خلال مشروعين إستراتيجيين يجمعان بين امتلاك السفن القتالية الحديثة، وتطوير الأنظمة الدفاعية، ونقل المعرفة الصناعية، في توجه يمنح القوات البحرية قدرات عملياتية متقدمة، ويؤسس لصناعة وطنية قادرة على المشاركة في بناء المنظومات العسكرية وصيانتها وتشغيلها.
وتبرز أهمية هذا التوجه بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمملكة، وإطلالتها على البحر الأحمر والخليج العربي، وما يرتبط بهما من حركة تجارية وممرات بحرية ومنشآت حيوية، تجعل من الجاهزية البحرية عنصرًا رئيسيًا في منظومة الأمن الوطني وحماية المصالح الاقتصادية والإستراتيجية.
وتتوزع خطط التحديث بين ثماني سفن قتالية متعددة المهام ضمن مشروع «السروات»، وأربع سفن في مشروع «طويق»، بمراحل مختلفة من التنفيذ والتجهيز والتشغيل، إلى جانب برامج لتطوير القواعد البحرية ومرافق التدريب والصيانة والدعم اللوجستي.
ولا تنحصر القيمة الإستراتيجية لهذه المشروعات في عدد السفن أو قدراتها التسليحية؛ فالأثر الممتد يرتبط بمدى امتلاك المملكة المعرفة اللازمة لتشغيل هذه المنظومات وتطويرها والمحافظة على جاهزيتها، وتقليل الاعتماد على الخدمات التقنية الخارجية خلال عمرها التشغيلي.
«السروات».. صناعة السفينة وبناء المعرفة
يمثل مشروع «السروات» أحد أبرز مسارات تحديث الأسطول البحري، من خلال ثماني سفن قتالية من طراز «كورفيت أفانتي 2200»، صُممت لتنفيذ مهام متعددة تشمل التعامل مع التهديدات الجوية والسطحية وتحت السطحية، مدعومة بأنظمة قتالية وإلكترونية متقدمة.
وأُنجزت المرحلة الأولى من المشروع ببناء وتسليم خمس سفن حملت أسماء «جلالة الملك الجبيل»، و«جلالة الملك الدرعية»، و«جلالة الملك حائل»، و«جلالة الملك جازان»، و«جلالة الملك عنيزة»، ضمن منظومة متكاملة تضمنت تدريب الأطقم وتأهيل الفنيين، وتوفير معدات الصيانة والإسناد والخدمات اللوجستية اللازمة لاستمرار جاهزيتها.
أما المرحلة الثانية فتشمل ثلاث سفن إضافية هي «جلالة الملك المدينة»، و«جلالة الملك نيوم»، و«جلالة الملك العلا»، مع توسيع مشاركة الكفاءات الوطنية في أعمال البناء وتكامل الأنظمة القتالية والصيانة، وتنفيذ برنامج تدريبي لأكثر من 100 مهندس سعودي.
وسجل المشروع محطة جديدة في يونيو 2026 بتعويم سفينة «جلالة الملك المدينة» في حوض بناء السفن التابع لشركة «نافانتيا» الإسبانية بمدينة سان فرناندو، بعد اكتمال بناء وتجميع بدنها، تمهيدًا لاستكمال تركيب المنظومات واختبارات القبول والتجارب البحرية قبل دخولها الخدمة.
وتتضمن ترتيبات المرحلة الثانية استكمال أعمال السفينتين الأخريين داخل المملكة، بمشاركة الشركة السعودية للصناعات العسكرية «SAMI»، في امتداد لمسار نقل المعرفة الصناعية والتقنية إلى الكفاءات والمنشآت الوطنية.
وتكشف هذه المراحل عن طبيعة التطوير الذي تستهدفه وزارة الدفاع؛ إذ يرتبط بناء السفينة ببرنامج متكامل يمتد من التجهيز والاختبار إلى تدريب أطقمها وإعداد البنية الفنية اللازمة لصيانتها واستمرار عملها.
«حزم».. التقنية السعودية داخل منظومة القتال
من أبرز النتائج التقنية التي ارتبطت بمشروع «السروات» تطوير نظام إدارة المعركة البحرية «حزم»، بوصفه أول نظام سعودي لإدارة القتال البحري، في مجال يمثل أحد المكونات الأساسية للسفن العسكرية الحديثة.
وتكمن أهمية أنظمة إدارة القتال في دورها في جمع المعلومات الواردة من المستشعرات والرادارات، ومعالجتها لدعم الوعي بالموقف العملياتي، وتنسيق التعامل مع التهديدات من خلال المنظومات المرتبطة بالسفينة.
ويمنح تطوير هذه الأنظمة محليًا الصناعات الدفاعية السعودية مجالًا متقدمًا للمشاركة في التقنيات البحرية، يتطلب خبرات متخصصة في البرمجيات والهندسة والتكامل والاختبارات، إلى جانب المعرفة المرتبطة بالأنظمة القتالية ومكوناتها.
وكان تدشين سفينة «جلالة الملك جازان» في قاعدة الملك فيصل البحرية بجدة، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الدفاع، في ديسمبر 2023، محطة مهمة في مسيرة المشروع، باعتبارها أولى سفنه التي استُكملت أعمال بناء منظوماتها ونُفذت اختبارات قبولها على الأراضي والمياه السعودية.
ويشير هذا المسار إلى انتقال جانب من الأعمال التقنية المرتبطة بالسفن إلى الداخل، بما يدعم تراكم الخبرة الوطنية ويمنح برامج التحديث المستقبلية قاعدة أوسع من المعرفة والقدرات المتخصصة.
«طويق».. أربع سفن لتوسيع القدرات البحرية
على مسار موازٍ، يتقدم مشروع «طويق» الذي يتضمن بناء أربع سفن قتالية متعددة المهام من طراز «MMSC»، تحمل أسماء «جلالة الملك سعود»، و«جلالة الملك فهد»، و«جلالة الملك عبدالله»، و«جلالة الملك سلمان».
ويتضمن المشروع تطوير قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية في الجبيل، وإنشاء مرافق للصيانة والتدريب، وتوفير أنظمة الدعم اللوجستي والإسناد الفني ومشبهات التدريب اللازمة لتأهيل الأطقم ورفع كفاءتها العملياتية.
وشهد ديسمبر 2025 تعويم سفينة «جلالة الملك سعود» في ولاية ويسكونسن الأمريكية، بوصفها أولى سفن المشروع، في محطة أساسية ضمن مراحل البناء والتجهيز، بمشاركة شركتي «لوكهيد مارتن» و«فينكانتيري».
ويستند المشروع إلى التعاون الدفاعي والتقني بين المملكة والولايات المتحدة، مع الاهتمام بتطوير القدرات الوطنية في مجالات تشغيل المنظومات البحرية وصيانتها والتقنيات المرتبطة بها.
ويكتسب تطوير المرافق البحرية أهمية موازية لبناء السفن؛ فاستمرار جاهزية القطع العسكرية يعتمد على قدرات الصيانة والإمداد والتدريب، ومدى تكامل هذه الخدمات مع متطلبات التشغيل الفعلي.
المهندس السعودي في قلب التحول
تمثل الكفاءات الوطنية أحد المحاور الأساسية في مشروعي «السروات» و«طويق»، من خلال برامج التأهيل والتدريب ونقل المعرفة، وإشراك المهندسين والفنيين السعوديين في مجالات تتصل بالأنظمة القتالية وبناء السفن وصيانتها.
ويساعد هذا التوجه على بناء خبرات تتراكم مع تنفيذ المشروعات، وتنتقل من التعرف على التقنيات الحديثة إلى المشاركة في تشغيلها واختبارها وتطوير التطبيقات المرتبطة بها.
وتبرز هنا أهمية الشراكات الصناعية مع الشركات العالمية، بما توفره من فرص لتبادل المعرفة والخبرات، إلى جانب تطوير قدرات الشركات الوطنية وتعزيز مشاركتها في منظومة الصناعات الدفاعية.
ويأتي دور الهيئة العامة للصناعات العسكرية في هذا الجانب من خلال تنظيم القطاع ودعم برامج التوطين والمشاركة الصناعية، ومن بينها الاتفاقيات المرتبطة بشركة «نافانتيا» الإسبانية، بما يسهم في تعزيز المحتوى المحلي وبناء قدرات إنتاجية وتقنية داخل المملكة.
وتتصل هذه الجهود بمستهدفات رؤية السعودية 2030 لتوطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري على المعدات والخدمات، وإقامة قطاع صناعي دفاعي قادر على خدمة الاحتياجات الوطنية وإيجاد فرص للمهندسين والفنيين والمتخصصين السعوديين.
من برنامج التطوير إلى قوة بحرية مستدامة
تعود المرتكزات التنظيمية لهذا التحول إلى برنامج تطوير وزارة الدفاع، الذي انطلق برؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، واعتمد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، القائد الأعلى لكافة القوات العسكرية، وثيقته في 26 فبراير 2018.
ووضع البرنامج إطارًا لتطوير وزارة الدفاع شمل الإستراتيجية والهيكل التنظيمي والحوكمة والموارد البشرية والنموذج التشغيلي، بهدف رفع الكفاءة وتحسين الإنفاق وتحديث المعدات والأسلحة وتعزيز التكامل العملياتي بين أفرع القوات المسلحة.
وفي القوات البحرية، تتجسد هذه المستهدفات في ربط تحديث الأسطول بتطوير قدرات الأفراد والمنشآت والأنظمة، بحيث لا ينتهي المشروع بتسلم سفينة جديدة، وإنما يستمر عبر منظومة تشغيلية وصناعية تضمن الاستفادة من قدراتها على المدى الطويل.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ظل الدور الحيوي للممرات البحرية المرتبطة بالمملكة، وما تتطلبه من قدرات متجددة لحماية السواحل والمنشآت الإستراتيجية والإسهام في أمن الملاحة.
وبين سفن «السروات» التي تتوسع مراحل بنائها، وقطع «طويق» التي تتقدم في مسار التجهيز، تتضح ملامح مشروع وطني يرتبط فيه الأمن البحري بالصناعة والتقنية والإنسان.
فالسفينة الحديثة تمنح القوات البحرية إمكانات قتالية متقدمة، والمنظومة التقنية تدعم فاعلية استخدامها، والمهندس والفني السعودي يمثلان عنصرًا أساسيًا في استمرار جاهزيتها.
ومن هذا التكامل تتشكل القيمة الأعمق لمشروعات التطوير البحري السعودية: بناء قوة لا تعتمد على امتلاك المعدات الحديثة وحدها، وإنما تستند إلى معرفة وطنية تستطيع تشغيلها وصيانتها وتطوير قدراتها، بما يخدم الأمن الوطني ويؤسس لاستدامة القوة البحرية خلال العقود المقبلة.






