دواء واحد وجرعات متفاوتة.. بحث سعودي يكشف فجوة في موثوقية الذكاء الاصطناعي الطبي
مفاكرة – متابعات
قد ينجح الذكاء الاصطناعي في تقدير جرعة دوائية بدقة مرتفعة لدى مجموعة كبيرة من المرضى، لكنه لا يمنح بالضرورة المستوى نفسه من موثوقية التنبؤ لكل مريض. هذه الإشكالية وضعتها دراسة سعودية حديثة تحت الاختبار، عبر تطوير منظومة ذكية تحمل اسم «WarfaRisk»، تستهدف تحسين تقدير جرعات دواء الوارفارين المستخدم لمنع تخثر الدم، وفحص مدى اختلاف موثوقية النتائج بين المجموعات السكانية.
وتوصل الفريق البحثي إلى أن متوسط دقة النماذج لا يكفي للحكم على أدائها الطبي؛ إذ قد تخفي المؤشرات العامة تفاوتًا في جودة التنبؤات المرتبطة بالخصائص الجينية والسكانية للمرضى، وهو ما يفتح مسارًا بحثيًا لتطوير أدوات أكثر دقة في تقدير الجرعات وتقييم حدود الثقة بنتائجها.

ونُشرت الدراسة في مجلة «AI» العلمية التابعة لدار النشر «MDPI»، ضمن مشروع بحثي ارتبط ببرنامج التجربة البحثية الصيفية لطلبة البكالوريوس «SURE» في مركز الذكاء الاصطناعي بجامعة الفيصل، بقيادة الدكتورة أريج الوابل، وبإشراف البروفيسورة مريم العيسى، استشارية الوراثة الطبية والمستشارة في الابتكار الصحي.
اختبار الدقة يكشف ما وراء الأرقام
اعتمد الباحثون على بيانات دولية شملت أكثر من ستة آلاف مريض، واختبروا تسعة نماذج مختلفة من تقنيات التعلم الآلي، لمقارنة قدرتها على توقع الجرعات باستخدام البيانات الصحية وحدها، ثم المعلومات الجينية، وأخيرًا الجمع بين النوعين.
وأظهرت المقارنات تحسن أداء النماذج التسعة عند إدخال المعلومات الجينية إلى البيانات السريرية، وسجل نموذج «AutoGluon» أفضل النتائج في تقدير الجرعات، ما يدعم أهمية التركيب الجيني للمريض إلى جانب حالته الصحية عند دراسة استجابته للدواء.
غير أن النتائج الأكثر لفتًا للانتباه جاءت من اختبار موثوقية التنبؤات، بعد استخدام أساليب إحصائية لتحديد نطاق متوقع للجرعة الدوائية، عوضًا عن تقديم قيمة واحدة قد تبدو حاسمة رغم وجود احتمالات متفاوتة.
فقد بلغت نسبة احتواء نطاقات التنبؤ على الجرعات الفعلية نحو 89.8% لدى مجموعة الاختبار عمومًا، مقابل نسب تراوحت بين 60 و82% في مجموعات مرتبطة بأصول أفريقية، وفق التصنيفات المستخدمة في البيانات البحثية.
وتشير هذه الفجوة، التي ظهرت في اختبار أولي محدد، إلى أن الأداء العام الجيد قد يحجب اختلافات مهمة بين المرضى، وأن الاعتماد على المتوسط وحده قد يمنح صورة غير مكتملة عن قدرة الأنظمة الذكية على تقديم توقعات موثوقة لمجموعات سكانية متنوعة.
لماذا يمثل الوارفارين تحديًا طبيًا؟
تكتسب الدراسة أهميتها من طبيعة دواء الوارفارين، الذي يُستخدم للوقاية من الجلطات الدموية أو علاج بعض الحالات المرتبطة بها، وتتطلب جرعاته متابعة طبية دقيقة لتحقيق التوازن بين منع التخثر وتجنب النزيف.
وتختلف استجابة المرضى للدواء بحسب عوامل متعددة، تشمل الخصائص الوراثية والعمر والحالة الصحية والأدوية المصاحبة والنظام الغذائي، ولا سيما ما يتعلق بتناول فيتامين «ك».
ولهذا فإن تقدير الجرعة المناسبة يتجاوز الحسابات الدوائية التقليدية، ويدخل في نطاق التقييم الفردي للحالة الصحية، مع الاستمرار في المتابعة الطبية والفحوص المخبرية اللازمة.
ويحاول المشروع السعودي التعامل مع جانب من هذا التعقيد من خلال الجمع بين البيانات السريرية والجينية، وإظهار درجة عدم اليقين المصاحبة لكل توقع، بما يوفر للباحثين وسيلة إضافية لفحص أداء الأنظمة الذكية قبل التفكير في استخدامها لدعم القرارات العلاجية.
من الجامعات السعودية إلى البحث في الطب الشخصي
شارك في إعداد الدراسة حسن برمندة من جامعة أم القرى، وسراج الدين مرغلاني وعمر باوزير من جامعة الفيصل، ومعاذ شعت من الجامعة السعودية الإلكترونية، والدكتور عبدالله القطان من وكالة الصحة السكانية بوزارة الصحة، إلى جانب البروفيسورة مريم العيسى.
ويمنح تنوع التخصصات والمؤسسات المشاركة المشروع بعدًا بحثيًا يجمع بين علوم الحاسب والبيانات والوراثة الطبية والصحة السكانية، وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة بتطور الطب الشخصي القائم على مراعاة الاختلافات الفردية بين المرضى.
وتتجه اهتمامات الفريق إلى توسيع نطاق الاختبارات باستخدام بيانات صحية وجينية من السعودية ودول الخليج، للتحقق من أداء المنظومة لدى سكان المنطقة، وعدم الاكتفاء بنتائج مستقاة من قواعد بيانات دولية قد تختلف خصائص المشاركين فيها عن التركيبة السكانية المحلية.
وتبرز أهمية هذا التوجه في دراسة مدى قابلية تطبيق النماذج على مجموعات لم تحظ بتمثيل كافٍ في البيانات المستخدمة لتدريبها، وهي من التحديات التي تواجه تطوير الذكاء الاصطناعي الطبي عالميًا.
الاختبار السريري هو الفيصل
ورغم النتائج البحثية، لا تزال منظومة «WarfaRisk» في مرحلة النموذج الأولي، ولم تحصل بعد على ما يثبت صلاحيتها للاستخدام المباشر في تحديد الجرعات الدوائية للمرضى.
ويحتاج الانتقال إلى الممارسة الطبية إلى دراسات سريرية إضافية، واختبارات باستخدام سجلات مرضى فعلية، وتقييم أثر التنبؤات على ضبط مستويات تخثر الدم، إلى جانب استيفاء المتطلبات التنظيمية الخاصة بالأنظمة الداعمة للقرارات العلاجية.
وتفتح الدراسة بذلك سؤالًا يتجاوز الوارفارين إلى مستقبل التطبيقات الطبية للذكاء الاصطناعي: هل يكفي أن يقدم النظام نتيجة دقيقة في المتوسط، أم أن قيمته الحقيقية تتحدد بقدرته على توضيح حدود موثوقيته لدى كل فئة من المرضى؟
وفي هذا السؤال تكمن القيمة العلمية للمشروع السعودي؛ إذ ينقل الاهتمام من قدرة الآلة على توقع الجرعة إلى ضرورة اختبار الثقة في ذلك التوقع، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تطوير أدوات طبية يمكن تقييمها والتحقق من سلامتها قبل استخدامها مع المرضى.






