«اتفاق مكة» ورباعية إسطنبول.. ملامح نظام إقليمي يبحث عن أمنه من الداخل
مفاكرة
تتجه الأنظار إلى إسطنبول، اليوم الجمعة، مع انعقاد مشاورات وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان، في تحرك دبلوماسي تتجاوز أهميته جدول الاجتماعات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي، وقدرة دول المنطقة على بناء تفاهمات سياسية ودفاعية تمنحها دورا أكبر في معالجة أزماتها، وتقليص اعتمادها على الحلول القادمة من الخارج.

ويكتسب الاجتماع أهمية إضافية من تزامنه مع انعقاد مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة، وتصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن «حلف مكة»، الذي قدمه باعتباره إطارا لحماية الأمن والسلام والازدهار، مؤكدا أن الاستقرار لا يمكن استيراده، وأن التسويات الدائمة تحتاج إلى إرادة الدول المعنية وقدرتها على تحمل مسؤولية مستقبلها.
وتكشف قراءة المسارين عن تطور يستحق التوقف عنده؛ إذ يجمع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» المملكة وتركيا وباكستان ضمن التزامات دفاعية محددة، بينما توفر المشاورات الرباعية، بمشاركة مصر، مساحة سياسية أوسع لتنسيق المواقف ومعالجة الأزمات، دون أن تعني مشاركة القاهرة انضمامها إلى الاتفاق الدفاعي الثلاثي.
وتعود الجذور المؤسسية لهذا المسار إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها الدول الثلاث في السابع من أغسطس 2026، ونصت على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول هجوما على الأطراف جميعها، بما يؤسس لمفهوم الردع الجماعي القائم على الالتزام المتبادل بحماية الأمن والسيادة.
ولم يتوقف الاتفاق عند حدود التوقيع؛ فقد شهدت إسطنبول في 31 أغسطس اجتماعا للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية، اتفقت خلاله الدول الثلاث على تطوير الإطار المؤسسي للتعاون، وإنشاء أمانة في المملكة يرأسها في مرحلتها الأولى أمين عام من باكستان لمدة ثلاث سنوات، إلى جانب تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التقنيات والإنتاج المشترك.
وتمنح هذه الترتيبات الاتفاق بعدا يتجاوز التعهد السياسي، عبر بناء مؤسسات وآليات تنسيق يفترض أن تسهم في تحويل الالتزامات الدفاعية إلى قدرات مشتركة قابلة للتفعيل، مع بقاء فاعليتها مرتبطة بمستوى التنفيذ والتوافق بين أطرافها.
وفي المسار السياسي، تقدم رباعية إسطنبول مساحة مختلفة للتعامل مع الأزمات. فقد سبق لوزراء خارجية الدول الأربع أن أكدوا، خلال اجتماعهم في نيويورك في سبتمبر الماضي، أهمية التنسيق لدعم أمن المنطقة واستقرارها، وأدانوا الاعتداءات على المملكة، وجددوا دعم سيادتها وحقها في الدفاع عن أمنها، إلى جانب تأكيد الحلول السياسية في اليمن، ودعم الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على وحدة السودان.
وتبرز أهمية هذا التقاطع في أنه يربط أمن الدول بالمشهد الإقليمي الأوسع، فحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية واستقرار الدول المتأثرة بالنزاعات قضايا متداخلة، ولا يمكن فصل آثارها السياسية عن انعكاساتها الاقتصادية والإنسانية.
وتضيف استضافة إسطنبول اجتماعا بصيغة موسعة تضم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بعدا دوليا للمشاورات، يتيح التواصل مع قوى أوروبية مؤثرة، مع المحافظة على التمييز بين التعاون السياسي مع هذه الدول والالتزامات الدفاعية الناشئة عن اتفاق مكة.
أما خطاب فيدان بشأن الحوار الصادق والوساطة المستدامة وامتلاك دول المنطقة لمسارات الحل، فيضع الدبلوماسية أمام اختبار يتصل بقدرتها على إنتاج نتائج عملية، لا الاكتفاء بإدارة الخلافات أو تخفيف حدة الأزمات بصورة مؤقتة.
وفي هذا السياق، لا تبدو العلاقة بين الردع والوساطة بالضرورة علاقة تنافس؛ فالترتيبات الدفاعية تستهدف رفع كلفة الاعتداء وتعزيز القدرة على الحماية، بينما تتيح الدبلوماسية معالجة أسباب التوتر وفتح قنوات التسوية قبل اتساع المواجهات.
ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه المسارات في الانتقال من توافق المواقف إلى استدامة العمل المشترك، ومن إعلان المبادئ إلى بناء آليات تحقق المصالح وتحافظ على استقلال القرار السياسي، مع مراعاة اختلاف أولويات الدول ومصالحها.
وبذلك تطرح اجتماعات إسطنبول قضية أكثر عمقا من نتائج لقاء دبلوماسي واحد: هل تستطيع دول المنطقة الجمع بين قوة الردع وفاعلية التفاوض ضمن منظومة تعاون متماسكة؟
الإجابة لن تصوغها البيانات الختامية وحدها، وإنما ستحددها قدرة الدول المشاركة على تحويل التزاماتها وتفاهماتها إلى سياسات ومؤسسات ونتائج ملموسة؛ فالمعيار الحقيقي لأي ترتيب إقليمي لا يتحدد بحجم حضوره السياسي، وإنما بقدرته على حماية الأمن ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات جديدة.






