صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

كيف يؤثر محتوى المشاهير على سلوك المراهقين؟ بين القدوة الرقمية وصناعة الوعي

في السنوات الأخيرة، لم يعد المشاهير يقتصرون على نجوم الفن أو الرياضة، بل برز جيل جديد من المؤثرين الذين صنعوا شهرتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، وإنستغرام، ويوتيوب، وسناب شات، ومنصة إكس. وأصبح هؤلاء يمتلكون تأثيرًا واسعًا على فئة المراهقين، التي تُعد الأكثر استخدامًا لهذه المنصات، والأكثر تأثرًا بما يُعرض عليها من محتوى.

ويقضي كثير من المراهقين عدة ساعات يوميًا في متابعة المؤثرين، يتابعون تفاصيل حياتهم، ويقلدون أساليبهم في الحديث، واللباس، والتفكير، وحتى في اتخاذ القرارات. ومع هذا الحضور المكثف، لم يعد تأثير المشاهير مجرد إعجاب عابر، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصية والهوية.

ويشير مختصون في علم النفس والاجتماع إلى أن مرحلة المراهقة تُعد من أكثر المراحل العمرية حساسية، حيث يبحث المراهق عن الانتماء وإثبات الذات، ويكون أكثر استعدادًا لتقليد الشخصيات التي يراها ناجحة أو محبوبة. ولذلك فإن الرسائل التي يقدمها المشاهير، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تجد طريقها بسهولة إلى عقول الشباب.

التأثير الإيجابي

ليس كل محتوى المشاهير سلبيًا، فهناك العديد من المؤثرين الذين يقدمون محتوى علميًا وثقافيًا وتعليميًا، أو ينشرون قيم التطوع، واحترام الآخرين، والمحافظة على الصحة، والقراءة، وريادة الأعمال، وتنمية المهارات. كما أن بعضهم نجح في إلهام الشباب لتحقيق الإنجازات، وتطوير الذات، واستثمار الوقت فيما يعود عليهم بالنفع.

وتؤكد التجارب أن وجود قدوات رقمية مسؤولة يمكن أن يسهم في نشر الثقافة والوعي، وتعزيز القيم الإيجابية، وتشجيع الشباب على الابتكار والعمل والإبداع.

الوجه الآخر للتأثير

في المقابل، تبرز تحديات كبيرة عندما يتحول المحتوى إلى وسيلة للتفاخر، أو استعراض المظاهر، أو نشر السلوكيات غير المناسبة، أو السعي وراء الشهرة بأي وسيلة. فبعض المؤثرين يركزون على جذب المشاهدات دون مراعاة الأثر التربوي أو الأخلاقي، مما يدفع بعض المراهقين إلى تقليد تصرفات قد تكون خطرة أو مخالفة للقيم المجتمعية.

ومن أبرز الآثار السلبية التي رصدها المختصون:

  • ضعف الثقة بالنفس نتيجة المقارنة المستمرة مع حياة المشاهير.
  • الهوس بالمظاهر والبحث عن الشهرة السريعة.
  • تقليد تحديات وسلوكيات قد تعرض المراهق للخطر.
  • زيادة النزعة الاستهلاكية والرغبة في اقتناء كل ما يروج له المؤثرون.
  • تراجع التواصل الأسري بسبب الانشغال الطويل بمتابعة المحتوى الرقمي.
  • انتشار بعض المفاهيم المغلوطة حول النجاح، باعتباره مرتبطًا فقط بعدد المتابعين أو الشهرة.

خوارزميات تزيد التأثير

تعتمد منصات التواصل على خوارزميات ذكية تعمل على عرض المحتوى الذي ينسجم مع اهتمامات المستخدم. فكلما شاهد المراهق نوعًا معينًا من المقاطع، زادت المنصة في عرض محتوى مشابه، مما يخلق ما يُعرف بـ”الفقاعة الرقمية”، حيث يظل المستخدم محاطًا بالأفكار نفسها، ويصعب عليه الاطلاع على وجهات نظر مختلفة.

وهذا يجعل من الضروري تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، حتى لا يتعاملوا مع كل ما يشاهدونه باعتباره حقيقة أو نموذجًا يجب تقليده.

الأسرة… خط الدفاع الأول

تلعب الأسرة دورًا محوريًا في حماية الأبناء من التأثيرات السلبية، ليس من خلال المنع الكامل، وإنما بالحوار المفتوح، والمتابعة الواعية، وتعزيز الثقة، ومناقشة ما يشاهده الأبناء، ومساعدتهم على تحليل الرسائل التي يتلقونها عبر وسائل التواصل.

كما أن وجود أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية يقلل من الاعتماد المفرط على العالم الافتراضي، ويمنح المراهق فرصًا لبناء شخصيته بعيدًا عن التأثيرات السلبية.

المدرسة والمؤسسات المجتمعية

لا يقل دور المدرسة أهمية عن دور الأسرة، فهي مطالبة بتعزيز الثقافة الرقمية، وتعليم الطلاب مهارات التفكير النقدي، وكيفية التحقق من المعلومات، والاستخدام الآمن والمسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي.

كما تسهم الندوات والمحاضرات التوعوية، التي تنظمها الجمعيات والمؤسسات التعليمية والخيرية، في نشر الوعي حول مخاطر المحتوى غير الهادف، وتقديم حلول عملية للتعامل مع البيئة الرقمية.

مسؤولية المشاهير

لا يمكن تجاهل المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق المشاهير والمؤثرين، فكل كلمة أو تصرف أو إعلان قد يؤثر في آلاف أو ملايين المتابعين، خاصة من فئة الشباب. لذلك فإن تقديم محتوى يحترم القيم المجتمعية، ويبتعد عن الإثارة الرخيصة أو المعلومات المضللة، أصبح ضرورة مجتمعية، وليس مجرد خيار شخصي.

نحو توازن رقمي

إن التقنية ليست عدوًا، بل هي أداة يمكن أن تكون وسيلة لبناء الإنسان أو هدم القيم، بحسب طريقة استخدامها. والتحدي الحقيقي لا يكمن في إبعاد المراهقين عن وسائل التواصل، وإنما في إعدادهم ليكونوا مستخدمين واعين، قادرين على التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار.

وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، أصبح الاستثمار في التوعية الرقمية ضرورة وطنية وتربوية، لضمان نشوء جيل يمتلك المعرفة، ويحسن الاختيار، ويستفيد من التقنية دون أن يقع أسيرًا لتأثيراتها السلبية.

إن المشاهير سيبقون جزءًا من حياة الشباب، لكن الأهم أن نغرس في نفوس المراهقين القدرة على الاختيار، وأن يكونوا هم من يقودون التقنية، لا أن تقودهم هي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى