صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

لم يكن وداعًا… بل امتدادًا

في مثل هذا اليوم يا أبي… لا أمرّ عليه كذكرى عابرة، ولا أستحضرك كحزنٍ مؤقت، بل ألقاك في دعاءٍ لم ينقطع، وفي حبٍّ ما زال يجد طريقه إليك رغم الغياب.

تمرّ السنوات، لكنك لا تغيب… كأن رحيلك لم يكن نهاية، بل تحوّل إلى حضورٍ آخر؛ أكثر هدوءًا، وأكثر عمقًا، وأقرب إلى القلب مما كان.

أشتاق لك… لا كحالة عابرة، بل كجزءٍ ثابت في داخلي.

أشتاق لاحتضانك الذي كان يختصر عليّ قسوة العالم، ولصوتك الذي كان يطمئنني دون أن يقول الكثير.

ومع مرور الوقت، أدركت أن بعض الأمنيات لا تتحقق كما نريد، بل تتحوّل إلى دعاءٍ صادق يرافقنا في كل حين… دعاء لا يطلب العودة، بل يطلب الرحمة، والسكينة، ورضا الله عليك.

رحمك الله بقدر ما منحتني من طمأنينة،

وغفر لك بقدر ما كنت لي سندًا لا يميل،

وجزاك عني ما لا تستطيع الكلمات أن تعبّر عنه.

كنتَ الأمان الذي لا يخيفني شيءٌ معه، والظل الذي احتمي به دون أن أشعر بثقل الحياة.

وحين رحلت… ظننت أنني سأفقد توازني، وأن العالم سيصبح أكثر قسوة مما أحتمل.

لكنني اكتشفت شيئًا لم أكن أدركه من قبل…

أنك لم تتركني كما كنت أظن، بل تركت في داخلي ما يكفيني لأكمل الطريق.

وجدت قوةً تشبهك،وصبرًا يشبه طريقتك،

وثباتًا لم أعرفه إلا بعد غيابك.

كأنك أودعت في روحي ما يحميني من الانكسار، ويقودني كلما شعرت بالتعب… حتى في أشد لحظات الغياب.

علّمتني دون أن تقول أن القوة ليست في القسوة، بل في الاحتواء،

وأن العطاء الحقيقي لا ينتظر مقابلًا،

وأن السند لا يُقاس بوجوده، بل بما يتركه فينا بعد رحيله.

فصرت دون أن أشعر أشبهك أكثر.

أحتوي كما كنت تحتويني، وأصبر كما كنت تصبر،

وأحاول أن أكون ملاذًا آمنًا لمن حولي… لأن في داخلي شيئًا منك لا ينهار.

يا أبي…

لم تُنهِ الحكاية برحيلك، بل تركتني أنا أكملها بك.

غبت عن عيني، لكنك بقيت في كل خطوة أخطوها، وفي كل قرار أتخذه، وفي كل موقف أحتاج فيه أن أكون أقوى.

أمضي في الحياة كما أردت لي…

لا كما تريدني الظروف،

بل كما ربيتني أن أكون: ثابتة، واعية، ممتلئة بالقيم التي غرستها فيّ دون أن تتحدث عنها كثيرًا.

أحمل اسمك في أخلاقي قبل لساني،

وأحاول أن أكون الامتداد الذي يليق بك… لا بالكلام، بل بالفعل.

همسة امل …

نم قرير العين يا أبي…

فابنتك التي تركتها يومًا، لم تعد تلك الطفلة التي تخاف،

بل أصبحت امرأة تعرف كيف تقف، وكيف تصبر، وكيف تمضي.

وما زلتُ رغم الغياب لا أبحث عنك في الذكريات فقط،

بل أجدك في قوتي حين أضعف،

وفي طيبتي حين أختار أن لا أقسو،

وفي قلبي… حين يصرّ أن يحبك بالدعاء، لا بالحزن.

أنت لم ترحل…

أنت تحوّلت إلى امتدادٍ يسكنني..

ابنتك… الامتداد الطيب لروحك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى