صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

بين رائحة العيد ودفء الذكريات …

“بعض المناسبات لا تعود بنا إلى الماضي… بل تعيد الماضي إلينا.”

 

ها هو عيد الأضحى يُقبل بحلّته البهية، يحمل في ظاهره فرحة اللقاء، وفي أعماقه ذاكرة لا تشيخ.
ورغم تغيّر الأيام وتسارع الحياة، ما زالت تفاصيل العيد القديمة قادرة على أن تعيد إلى القلوب شيئًا من دفئها الأول، وكأن الزمن مهما ابتعد تبقى بعض المشاعر عصيّة على الغياب.

 

فالعيد اليوم قد يبدو أكثر ازدحامًا بالانشغالات، وأسرع في لحظاته، لكن جوهره ما زال ثابتًا؛ تلك التكبيرات التي تملأ الصباح مهابةً وسكينة، فتوقظ في القلب شعورًا لا يشبه أي شعور آخر، وكأن الروح تستعيد طمأنينتها وسط ضجيج الحياة.

 

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
سورة البقرة: 185

 

وفي البيوت، تبقى التفاصيل الصغيرة هي المعنى الحقيقي للعيد؛
رائحة القهوة السعودية تعلن قدومه قبل الكلمات، وتمتزج بعبق الغريبة والمعمول، فيمتلئ المكان دفئًا وحنينًا، وتتحول اللحظات البسيطة إلى ذاكرة حيّة تشبه الطمأنينة.
فلم تكن تلك الطقوس يومًا مجرد عادات، بل لغة محبة تُقال دون صوت.

 

أما الأطفال، فهم الوجه الأصدق للعيد؛ ضحكاتهم التي تملأ البيوت، وثيابهم الجديدة التي ينتظرونها بشغف، وفرحتهم العفوية التي لا تحتاج تفسيرًا… كل ذلك يعيد إلينا الإيمان بأن الفرح ما زال نقيًا كما كان.

 

“تكبر الأيام وتتغير الحياة، ويبقى العيد قادرًا على إعادة الطفل المختبئ داخلنا.”

 

وفي صباح الأضحية، يتجلّى معنى أعمق من مجرد الطقوس؛ اجتماعٌ تختصره المحبة، ومشهد القربان الذي يحمل في داخله خشوعًا وامتنانًا، ثم توزيع الأضحية بروح الرحمة والتكافل، وكأن العيد يعلّمنا أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يُشارك مع الآخرين.

 

ورغم تغيّر الحياة وتسارعها، يبقى الماضي حاضرًا في كل هذه التفاصيل، لا كزمنٍ مضى، بل كإحساسٍ دافئ يسكن اللحظة ويمنحها معناها.
نشتاق إليه لا لأنه انتهى، بل لأن بساطته كانت أقرب إلى القلب، وأصدق في التعبير عن الفرح.

 

همسة أمل:
وهكذا يبقى العيد مساحة تجمع بين رائحة الحاضر ودفء الذكريات، بين ما نعيشه اليوم وما يسكننا من الأمس.
فالعيد ليس في مظاهره وحدها، بل في أثره الذي يمرّ بالقلب ولا يغادره؛ في صوت التكبيرات، وفي اجتماع الأهل، وفي ضحكات الأطفال، وفي توزيع الأضحية امتثالًا لأمر الله وقربةً إليه…
هناك فقط، نشعر أن للعيد روحًا لا تتغير، وأن بعض اللحظات مهما تكررت تبقى قادرة على ملامسة القلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى