صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

غصّة الكلمات المؤجَّلة

بعض الندم لا يولد من الأخطاء التي ارتكبناها، بل من الكلمات التي احتفظنا بها طويلًا حتى فات أوانها. فكم من مشاعر صادقة بقيت أسيرة الصمت، وكم من اعتذار تأخر حتى أُغلقت دونه الأبواب، وكم من كلمة حبٍّ ظلت عالقة في القلب حتى غاب صاحبها، ولم يبقَ منها سوى الحسرة ومرارة التمني.

 

ليست أكثر الأشياء إيلامًا في الحياة تلك الكلمات التي قلناها، بل تلك التي لم نقلها. كلمات محبة أخفيناها خجلًا، وعبارات امتنان ظننا أن الوقت لا يزال متسعًا لها، ورسائل شوق أجّلناها إلى غدٍ لم يأتِ كما أردنا. ثم نكتشف متأخرين أن بعض الفرص لا تنتظر، وأن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح مرة أخرى.

 

نعيش أيامنا وكأن الغد وعدٌ مضمون، فنؤجل البوح بالمشاعر، ونؤخر كلمات التقدير، ونترك المسافات تتسع بيننا وبين من نحب، معتقدين أن الوقت سيمنحنا فرصة أخرى. لكن الحياة كثيرًا ما تفاجئنا بأن بعض اللقاءات هي الأخيرة دون أن ندري، وأن بعض الوجوه التي نراها اليوم قد تصبح غدًا ذكرى نسأل الله لها الرحمة أو نتمنى لو عادت.

 

إن التعبير عن المشاعر ليس ضعفًا، بل شجاعة إنسانية وصدق مع الذات. فالمحبة التي لا تُقال قد لا تُفهم، والامتنان الذي لا يُعبَّر عنه قد يضيع أثره، والاعتذار المؤجل قد يأتي بعد أن يصبح بلا جدوى.

 

يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي:
“إن بعض الكلام حياة.”

 

وما أصدقها من عبارة؛ فكم من كلمة أعادت الطمأنينة إلى قلب مضطرب، وكم من رسالة صادقة بددت وحشة إنسان، وكم من اعتذار أطفأ نار خصام، وكم من عبارة تقدير منحت صاحبها شعورًا بأن وجوده كان ذا قيمة وأثر.

 

ومن الحكمة المأثورة عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.”

 

وفي هذه الكلمات دعوة إلى الاتزان والحكمة، وإلى ألّا نبالغ في الخصام حتى لا نندم على ما فات، وألّا نبخل بالمودة ما دامت القلوب متقاربة.

 

ولعل أكثر ما يورث الندم في حياة الإنسان ليس الكلمات الطيبة التي قالها، بل تلك التي لم يقلها. فكم من ابن تمنّى لو أخبر والديه بمقدار حبه لهما أكثر، وكم من صديق رحل وبقيت في النفس كلمات لم تجد طريقها إليه، وكم من قلب كان ينتظر اعتذارًا أو كلمة تقدير لم تصل أبدًا.

 

وهناك من رحلوا على عجل، قبل أن نخبرهم كم كانوا يعنون لنا، فتركوا في القلب غصّة، وفي الذاكرة أثرًا، وفي الروح حديثًا لم يكتمل. رحلوا وبقيت كلماتنا تدور في داخلنا كرسائل وصلت متأخرة إلى أبواب أُغلقت إلى الأبد، فلا هي قيلت في وقتها، ولا نحن استطعنا نسيانها.

 

إن العمر أقصر من أن يُهدر في الجفاء، والقلوب أرقّ من أن تُثقَل بالخصام. فتمسكوا بأحبتكم، وأحسنوا التعبير عن مشاعركم، واغفروا الزلات الصغيرة، ولا تتركوا سوء الفهم يكبر في صمت. ناقشوا، ووضحوا، واعتذروا، وتنازلوا حين يستحق الأمر؛ فالعلاقات الصادقة أثمن من أن تضيع بسبب كلمة لم تُفسَّر أو عتاب لم يُقل.

 

فالحياة رحلة قصيرة، وقد ينتهي الطريق برحيلنا أو رحيل من نحب، تاركين خلفنا شوقًا وحديثًا مؤجلًا. لذلك لا تؤخروا الحب، ولا الشكر، ولا الاعتذار، ولا التسامح. ازرعوا في القلوب أثرًا طيبًا، فغدًا لن يبقى منا إلا الذكرى، وأجمل الذكريات تلك التي تترك دعوة صادقة في الغيب وأثراً في القلوب .

 

همسة أمل

 

علينا أن نتعلم أن بعض الكلمات لا تُقاس بحروفها، بل بما تتركه من أثر. فـ”أحبك”، و”شكرًا”، و”سامحني”، و”أفتقدك” قد تبدو كلمات بسيطة، لكنها قادرة على أن تداوي جرحًا، وتحيي أملًا، وتحفظ ذكرى جميلة. فلا تؤجلوا ما تشعرون به، فبعض الراحلين أخذوا معهم فرصة الكلام، وتركوا لنا غصّة الكلمات المؤجلة. وبين لقاءٍ ورحيل، تبقى الكلمة الصادقة أجمل ما نهديه للآخرين، وأجمل ما يبقى منا بعد أن تمضي الأيام ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى