بين الكتمان والانهيار… ماذا يحدث؟
“ليست أقسى المعارك تلك التي تُرى، بل تلك التي يخوضها الإنسان في صمت، بينما يظنه الجميع بخير”
ليس الإنسان بما يخفيه أقلَّ ألمًا مما يظهره، بل إن أكثر المعارك ضراوة هي تلك التي تدور في أعماق النفس، بعيدًا عن ضجيج العالم. قد يمضي بين الناس بوجهٍ هادئ، ينجز أعماله، ويبتسم في مواضع الابتسام، بينما يحمل في داخله ما تعجز الكلمات عن وصفه.
ولا يحدث الانهيار فجأة، كما يظن كثيرون، بل تسبقه سنوات من الاحتمال. فالكلمة التي ابتلعناها، والدمعة التي أخفيناها، والخذلان الذي تجاوزناه، والخوف الذي آثرنا ألا نتحدث عنه، لا تتلاشى بمرور الوقت، بل تتراكم حتى يأتي موقف عابر، فيظنه الناس سببًا لما حدث، بينما لم يكن سوى اللحظة التي كشفت أن النفس بلغت أقصى حدودها.
وفي علم النفس يُعرف ذلك بـ التراكم الانفعالي؛ إذ لا تموت المشاعر حين تُكبت، بل تبقى كامنة في الداخل، وقد تظهر آثارها في صورة قلق، أو نوبات غضب، أو بكاء مفاجئ، أو إرهاق مستمر، أو حتى أعراض جسدية تبدو بلا سبب واضح.
ويقول الطبيب النفسي Gabor Maté:
«الجسد يقول ما يعجز الفم عن قوله»
وهي عبارة تختصر حقيقة عميقة؛ فحين لا تجد المشاعر طريقها إلى التعبير، قد يتكفل الجسد بإيصال رسالتها.
كما تشير أبحاث الباحثة Brené Brown إلى أن كبت المشاعر لا يزيد الإنسان قوة، بل يضاعف شعوره بالعزلة والضغط النفسي. فالقوة الحقيقية لا تكمن في إنكار الألم، وإنما في الاعتراف به والتعامل معه بوعي ورحمة.
ولا يعني التعبير عن المشاعر أن نكشف تفاصيل حياتنا لكل من حولنا، فليس الجميع أهلًا لأن نأتمنهم على مواجعنا. لكنه يعني أن نمنح أنفسنا متنفسًا آمنًا؛ بالكتابة، أو بالحوار مع شخص نثق به، أو بالتأمل، أو بطلب المساندة المتخصصة عند الحاجة. فالمشاعر التي تجد منفذًا صحيًا للتعبير، غالباً ما تتحول إلى ندوبٍ تنحت الألم في أعماق النفس.
همسة أمل…
ومن هنا، يصبح الترفق بالناس ضرورة، لا مجرد خُلُقٍ حسن. فنحن لا نعرف ما يخفيه كل قلب، ولا حجم الأعباء التي يحملها كل إنسان. وقد تكون كلمة طيبة، أو إنصات صادق، أو موقف يحمل شيئًا من الرحمة، سببًا في تخفيف حملٍ أثقل روح إنسانٍ لسنوات.
ليس كل صامتٍ بخير، وليس كل متماسكٍ لا ينكسر. فلا تُقاس قوة الإنسان بقدرته على كتمان ألمه، بل بقدرته على أن يمنح نفسه حق الراحة، وحق البوح، وحق طلب العون عندما تثقل الأحمال. فبعض القلوب لا ينقصها الصبر، وإنما ينقصها من يشعر بثقلها قبل أن تنكسر …







