صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

حكاية الصور القديمة..

بين الحين والآخر، تقع عيناك على صورة قديمة لك، فتبتسم دون أن تعرف السبب، أو تتأملها طويلًا وكأنك تنظر إلى شخص تعرفه جيدًا، لكنه لم يعد كما كان. عندها يتسلل إلى ذهنك سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في داخله الكثير: ماذا أرى حقًا في هذه الصورة؟

في البداية قد ترى ملامحك فقط، لكنك سرعان ما تدرك أن الصورة تحمل أكثر من وجه، وابتسامة، ومكان، وزمان. إنها تحتفظ بنسخة قديمة منك؛ نسخة كانت ترى الحياة بعين مختلفة، وتفسر الأحداث بطريقة مختلفة، وتشعر بمشاعر لم تعد هي ذاتها اليوم.

حين تنظر إلى صورتك القديمة، لن تتذكر شكلك فحسب، بل ستتذكر كيف كانت عيناك تنظران إلى الحياة. ستتذكر ما الذي كان يبهجك، وما الذي كان يثقل قلبك، والمخاوف التي كانت تؤرقك، والأحلام التي كنت تنتظرها بشغف. وستتذكر كيف كانت مشاعرك تفسر كل ما يدور حولك؛ فموقف بسيط كان كفيلًا بإسعادك أيامًا، وكلمة عابرة ربما آلمتك طويلًا، بينما تنظر اليوم إلى تلك المواقف بعين أكثر هدوءًا ونضجًا.

إن الصور القديمة لا تحفظ ملامحنا فحسب، بل توثق مراحل من وعينا، وطريقة تفكيرنا، ونظرتنا إلى أنفسنا والعالم. وكل صورة تروي فصلًا من رحلة إنسان كان يتعلم الحياة خطوةً بعد أخرى.

ويقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: «إنما الإنسان أثر، فإذا ذهب الشخص بقي أثره.» ولعل أجمل أثر تتركه الأيام في الإنسان هو نضجه؛ ذلك النضج الذي لا يُشترى ولا يُمنح، وإنما تصنعه التجارب ويصقله الزمن.

وعندما نقارن بين الأمس واليوم، نكتشف أن أكبر التغييرات لم تحدث في ملامحنا، بل في طريقة تفكيرنا. فكم من أمر ظننّاه نهاية الطريق، ثم أصبح مجرد ذكرى، وكم من أشخاص اعتقدنا أن الحياة لا تستقيم إلا بوجودهم، ثم علمتنا الأيام أن قوتنا الحقيقية تنبع من داخلنا.

ولعل أجمل ما تمنحنا إياه الصور القديمة أنها تذكرنا بأننا تجاوزنا ما ظنناه يومًا مستحيلًا. عبرنا محطات صعبة، وواجهنا خيبات مؤلمة، حتى أصبحنا أكثر وعيًا وصلابة.

ويقول عباس محمود العقاد: «ليست العبقرية أن تملك القوة، بل أن تملك السيطرة على هذه القوة.» وكذلك النضج؛ ليس أن تخلو الحياة من الصعوبات، بل أن نصبح أكثر حكمة في التعامل معها.

همسة أمل…

إن العودة إلى الصور القديمة ليست دعوة للعيش في الماضي، بل فرصة لمراجعة رحلتنا، وتأمل الدروس التي شكلت شخصياتنا.

وحين تقع عيناك في المرة القادمة على صورة قديمة، لا تسأل نفسك: كيف كنت أبدو؟ بل اسأل: كيف كنت أفكر؟ وكيف كنت أرى الحياة؟ وما الذي تغير في داخلي منذ ذلك الوقت؟

قد تكتشف أن أعظم إنجازاتك لم تكن شهادة حصلت عليها، أو منصبًا وصلت إليه، بل الإنسان الذي أصبحت عليه؛ أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على النهوض بعد كل ما مررت به.

فالصور القديمة لا تخبرنا كيف كنا فقط، بل تكشف لنا إلى أي مدى تغيرنا. إنها ليست مجرد ذكريات معلقة على الورق أو محفوظة في هاتف، بل شواهد صامتة على رحلة إنسان صنعته الأيام، وربّته التجارب، حتى أصبح أكثر فهمًا للحياة، وأكثر تصالحًا مع نفسه، وأكثر امتنانًا لكل خطوة قادته إلى ما هو عليه اليوم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى