صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقال

.

 قمة مكة لم تفاجئ محبي السلام.. لكنها بالتأكيد أربكت من اعتادوا بناء مشاريعهم على اضطراب المنطقة.. واستثمار خلافاتها.. والتربص بأمن دولها وشعوبها.

 ففي مكة المكرمة.. وفي هذا المكان الطاهر الذي تتجاوز رمزيته حدود السياسة والجغرافيا.. اجتمع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.. والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.. ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف.. وخرجت القمة الثلاثية بـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين ثلاث دول تملك من الثقل السياسي والعسكري والاقتصادي ما يجعل اتفاقها حدثًا لا يمكن المرور عليه باعتباره مجرد توقيع جديد في سجل الاتفاقيات.

 فالاتفاقية تقول بوضوح إن أي هجوم خارجي مسلح على دولة من الدول الثلاث يعد هجومًا على الجميع.. وتفتح الطريق أمام تطوير القدرات الدفاعية المشتركة.. وتعزيز الردع الاستراتيجي.. ورفع الجاهزية.. والتعاون في مواجهة أي تهديد يمس أمن وسلامة أراضي الدول الثلاث.

 ومع ذلك لم تذهب المملكة إلى لغة المحاور.. ولم تقدم الاتفاقية باعتبارها موجهة ضد دولة بعينها.. ولم تجعل منها بابًا لمواجهة جديدة في المنطقة.. وإنما قالت بوضوح إنها ليست تحالفًا طائفيًا أو مذهبيًا.. ولا مشروعًا لسباق تسلح.. ولا تأتي على حساب علاقات المملكة الخليجية والعربية والدولية.

 وهنا تحديدًا تكمن قيمة قمة مكة.. فهناك فارق كبير بين دولة تبحث عن خصم حتى تثبت حضورها.. ودولة تمتلك حضورها ولا تحتاج إلى خصم.. وبين من يصنع التوتر حتى يحصل على مكان له في المعادلة.. ومن يصنع القوة حتى يمنع التوتر من الاقتراب منه.

 والمملكة ليست بحاجة إلى استعراض قوتها أمام أحد.. كما أنها ليست بحاجة إلى صناعة عدو حتى تؤكد مكانتها.. فهي دولة تعرف موقعها.. وتدرك حجم مسؤوليتها.. وتعرف أن السلام الذي لا تحرسه القوة قد يتحول إلى أمنية.. وأن الحوار الذي لا تقف خلفه قدرة تحمي نتائجه قد يصبح فرصة مفتوحة أمام العابثين.

 ولهذا كانت صورة سمو ولي العهد في قمة مكة جديرة بالتأمل.. هدوء.. وثقة.. وابتسامة تحمل الكثير من المعاني.. فلا توتر في الخطاب.. ولا استعراض في الموقف.. ولا أبواب مغلقة أمام من يريد أن يكون شريكًا في أمن هذه المنطقة واستقرارها.

 وقد أكد الرئيس التركي أن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة.. وأن الباب مفتوح أمام الدول الشقيقة التي تشارك الدول الثلاث رؤيتها للسلام والاستقرار والازدهار.. فيما وصف رئيس الوزراء الباكستاني الاتفاقية بأنها محطة مفصلية تقوم على الثقة المتبادلة ووحدة المصير.

 ومع ذلك.. فإننا سنسمع كثيرًا من الأصوات التي لن يعجبها ما جرى في مكة.. وسنقرأ تحليلات تبحث عن الخطر داخل اتفاق أعلن أصحابه أنه لحماية الأمن.. وسنرى من يحاول تصوير الردع باعتباره تهديدًا.. والقوة باعتبارها تصعيدًا.. والتقارب باعتباره موجهًا ضد الآخرين.

 وهذا ليس غريبًا.. فمن بنى مشروعه على تفرق الآخرين يقلقه اجتماعهم.. ومن عاش طويلًا على مناطق الفراغ يخشى امتلاءها.. ومن اعتاد أن تكون المنطقة ساحة مفتوحة لمشاريعه سيزعجه أن يرى ثلاث دول كبيرة تقول له إن أمنها لم يعد مساحة متاحة للتجربة والمغامرة.

 ولعل بعض ردود الفعل المتوترة التي بدأت تظهر خارج الدول الثلاث تعطينا مؤشرًا مبكرًا على حجم ما أحدثته قمة مكة في حسابات الآخرين.. وقد نشاهد خلال الأيام القادمة المزيد من لغة القلق والتشكيك وربما التوعد.. إلا أن ذلك لن يغير حقيقة بسيطة للغاية..

 اتفاقية مكة لم تقل لأحد: نحن قادمون إليك..وإنما قالت للجميع: نحن قادرون على حماية أنفسنا وبين العبارتين فارق سياسي كبير..فالقوة التي تبحث عن الحرب شيء.. والقوة التي تمنع الحرب شيء آخر.. والمملكة طوال تاريخها لم تجعل من المغامرة السياسية طريقًا لها.. وإنما عملت على بناء علاقاتها.. وحماية مصالحها.. والدفاع عن أمنها.. ومد يدها لكل من يريد لهذه المنطقة أن تعيش بعيدًا عن الصراعات التي استنزفت شعوبها وأهدرت كثيرًا من فرصها  ومن مكة جاءت الرسالة هذه المرة أكثر وضوحًا.. سلام نريده للجميع.. وقوة تحميه.. وباب مفتوح لمن يريد أن يكون شريكًا فيه  أما الذين أغضبتهم القمة.. فربما عليهم أن يسألوا أنفسهم سؤالًا واحدًا..

 لماذا يقلقهم اتفاق هدفه المعلن أن يعيش الجميع بأمن وسلام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى