.

(من يوميات وليد الهرش)…
كلما هممتُ أن أكتب عن المدينة، وجدتني أكتب عن الطفل الذي كنتُه فيها؛ فما المدن في حقيقتها إلا طفولةٌ تمتد في الذاكرة، وكلما تقدَّم العمر، عاد القلب يفتِّش عن أول الطريق. واليوم، وقد بلغتُ الرابعة والأربعين من عمري، أكتشف أنني لم أغادر حي الدواسر يومًا، وإنما غادره جسدي، وبقيت روحي تركض في أزقته كما كانت قبل أربعين عامًا.
لم يكن حي الدواسر، في نظري آنذاك، مجرد حيٍّ من أحياء الدمام، بل كان عالمًا قائمًا بذاته؛ له روحه التي تميّزه، وله ناسه الذين كانوا يمنحون الحياة معناها، فلا تُرى بالعين وحدها، بل تُدرك بالبصيرة. ولم أكن أقيسه بمساحته على الخريطة، بل بما غرسه في قلبي من ألفة، وما أورثني من شعورٍ بالانتماء لا يزال يسكنني حتى اليوم.
وكان في الحي رجالٌ لم يحملوا ألقابًا، لكنهم حملوا المكان في قلوبهم. كان العم الدنيني ملاذًا لكبار السن، ووجهًا مألوفًا لكل من ضاقت به الدنيا، لا يكاد يخلو مجلسه من بشاشةٍ أو كلمةٍ طيبة. وكان إسماعيل أبو يوسف روح «مركاز» الحي العتيق؛ يجلس في قلب الحارة، فتلتقي عنده الأخبار، وتتآلف الوجوه، ويشعر كل عابرٍ أنه بين أهله. يومها لم أكن أدرك أن بعض الرجال يتحولون، دون أن يشعروا، إلى أعمدةٍ غير مرئية يستند إليها المجتمع!
كانت الشوارع، في عين الطفل، أكثر من طرقٍ تؤدي إلى البيوت؛ كانت ممراتٍ إلى المغامرة، وساحاتٍ للدهشة، ومدارس نتلقى فيها أول دروس الحياة دون معلّم، وأول معاني الصداقة دون كتاب. وكان الرصيف المقابل لمنزلنا يبدو لنا أوسع من ملاعب الدنيا كلها؛ فوق بلاطاته المتواضعة تعلّمنا أن كرةً صغيرة تستطيع أن تصنع بطولة، وأن الضحكة الصادقة أغنى من كثيرٍ من أسباب الرفاهية، وأن الفرح لا يحتاج إلا إلى قلوبٍ تعرف كيف تجتمع.
كنا إذا مالت الشمس إلى المغيب، اجتمعنا هناك، نتقاسم قطعة حلوى، أو نتناوب على كرةٍ أكل الدهر عليها وشرب، ثم نعود إلى بيوتنا ونحن نظن أننا امتلكنا الدنيا كلها، ولم نكن ندرك أن أغنى الناس هو من يملك مثل هذه الذكريات.
وكانت أمسيات الحي تحمل طعمًا لا يشبهه شيء. فما إن يهبط الليل، حتى ترتفع أصوات الأمهات وهن ينادين أبناءهن بأسمائهم، فتختلط تلك النداءات برائحة الخبز والطعام المتسللة من النوافذ، ويغدو الزقاق بيتًا واحدًا، وتمضي الطمأنينة بين البيوت كما يمضي النسيم بين النخيل.
ولم تكن الأبواب تُفتح للداخلين وحدهم، بل كانت القلوب مفتوحة قبلها. يعرف الجار جاره، ويشاركه أفراحه وأتراحه، ويطمئن على أحواله قبل أن يسأله. وكنا، نحن الصغار، نظن أن الحي كله أسرة واحدة؛ كل رجلٍ فيه أب، وكل امرأةٍ أم، وكل بيتٍ بيتنا.
ولعل أجمل ما في الطفولة أنها ترى المجتمع بعينٍ لم تلوّثها الأحكام المسبقة؛ فلم نكن نسأل عن ثراء الناس ولا عن مناصبهم، وإنما كنا نعرفهم بأخلاقهم، ونزنهم بقدر ما يمنحونه من مودة، وبما يتركونه في القلوب من أثر.
وكان العم «صنقور» يجلس كل عصر أمام منزله، حتى أصبح حضوره جزءًا من ذاكرة الحي. فما مرَّ طفلٌ إلا استوقفه بابتسامته الأبوية قائلًا: «هل عدت من المدرسة؟»، ولا تأخر أحدٌ عن بيته إلا كان أول من يسأل عنه. وكان ذلك قبل أن يصبح مكتب أبي سعود المريسل العقاري ملتقىً لكبار السن، يتبادلون فيه الأحاديث، ويستعيدون أخبار الحي وذكريات أيامه الجميلة. يومها لم أكن أدرك أن العم صنقور لم يكن يجلس أمام باب منزله فحسب، بل كان يحرس روح الحي كلها. واليوم، كلما تذكرت وجهه، أيقنت أن المجتمعات لا يحفظها الإسمنت، وإنما يحفظها رجالٌ يشبهون العم صنقور، يزرعون الطمأنينة في النفوس دون أن يشعروا.
ثم دارت الأعوام دورتها، وغادرت الحي كما يغادر الطفل ثوبه الأول، وعدت إليه بعد أربعين عامًا، أحمل على كتفي عمرًا كاملًا، وفي قلبي ذلك الصبي الذي لم يكبر.
وقفت أمام المنزل القديم، فرأيت أن الزمن غيّر كثيرًا من الوجوه، وبدّل ملامح الشوارع، وشيّد مباني لم تخطر لنا يومًا على بال، لكنه عجز عن أن ينتزع من المكان روحه.
بحثت بعيني عن الباب الذي طالما دخلته مسرعًا، وعن النافذة التي كانت أمي تطل منها لتناديني، فلم أجد إلا صورًا تحفظها الذاكرة؛ صورة والدي عائدًا من عمله، يحمل تعب النهار وطمأنينة الأب، وصورة أمي وهي تستقبلنا بحنانها، وصور رفاق الطفولة الذين فرّقتهم الأيام، لكنهم ما زالوا مجتمعين في داخلي.
وأيقنت يومها أن الجدران، وإن بدت صامتة، تحفظ من الحكايات أكثر مما نحفظ نحن. فالذاكرة لا تحفظ الحجر لذاته، وإنما تحفظ ما جرى فوقه من حياة، وما شهده من محبة، وما عبره من أقدام، وما تركه الناس فيه من نبضٍ لا يشيخ. وربما كانت الأزقة القديمة أوفى من البشر؛ فهي لا تنسى أسماء من مروا بها، وإن نسيتهم سجلات المدن.
ولم تكن الدمام قد توقفت عن النمو؛ فقد اتسعت طرقها، وارتفعت مبانيها، وتسارعت وتيرة الحياة فيها، غير أنني أدركت أن المدن، كالبشر، تتبدل هيئاتها، بينما تبقى أرواحها لمن يعرف كيف يفتّش عنها.
لقد كنت، وأنا طفل، أرى البحر بلا نهاية، والأسواق عوالم لا تنقضي عجائبها، والناس حكايات تمشي على الأرض. أما اليوم، فأصبحت أرى وراء تلك المشاهد معانيها؛ فأدركت أن الطفل ينظر بعين الدهشة، بينما ينظر الرجل بعين التجربة، وأن المدينة تمنح كلًّا منهما ما يستحق أن يراه.
وتعلمت من حي الدواسر أن الأحياء القديمة لم تكن مجرد مساكن، بل كانت مدارس تُخرّج الإنسان قبل أن تُخرّج الساكن، وتغرس في النفوس معنى الانتماء، والرحمة، والوفاء، وحسن الجوار. ففيها عرفنا أن قيمة الإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يملكه من متاع، وأن البيوت لا تصنعها الجدران وحدها، بل تصنعها القلوب التي تسكنها.
واليوم، كلما اشتقت إلى تلك الأيام، أغمض عيني، فإذا بأصوات الأمهات تعود، وروائح الطعام تعبق في الأزقة، وضحكات الصغار تملأ الرصيف، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأن الطفل الذي كنته ما زال يركض هناك، غير عابئ بما تخبئه له الأيام.
رحل كثيرٌ ممن عرفت، وتفرقت الوجوه التي ألفتها، وتبدلت أشياء لا تُحصى، غير أن الذكريات بقيت أصلب من الزمن، وأوفى من الأمكنة، وأحنَّ من المسافات.
ولهذا، كلما سألني أحد عن الدمام، لم أحدثه أولًا عن بحرها، ولا عن عمرانها، ولا عن شوارعها، بل أحدثه عن الإنسان الذي صنع روحها، وعن حي الدواسر الذي علّمني أن المدينة ليست ما نراه بأعيننا، بل ما نحمله منها في قلوبنا.
لقد أدركت أخيرًا أن المدينة لا تكبر حين ترتفع مبانيها، بل حين يظل أبناؤها أوفياء لذاكرتها. أما الطفل الذي ما زال يسكنني، فما برح يمشي في تلك الأزقة، يلوّح لأصدقائه، ويطارد كرةً صغيرة، ويؤمن، كما كان يؤمن دائمًا، بأن أجمل المدن ليست تلك التي نسكنها، بل تلك التي تسكننا، وتكتب شيئًا من أرواحنا في دفاتر العمر، حتى إذا تقدَّم بنا الزمن، عدنا إليها لنقرأ أنفسنا بين شوارعها، لا لنقرأ أسماء شوارعها!
ملاحظة :
شذرات من كتاب «يوميات خارج المألوف “وهو عملٌ قيد الإصدار، ومن المقرر صدوره خلال الأيام المقبلة.






