ربع قرن من الأمومة
بعد ولادتنا الحقيقية من أمهاتنا التي لم نشعر بها لعدم وجود الوعي بعد .. يشعر البعض بأنه ولد من جديد في عدة مواقف في حياته…
نجاته من حادث محقق.. أو استيقاظه من غيبوبة.. أو انتقاله لبلد آخر..
ويكاد يجمع سعداء الحظ أن تجربة الحب الحقيقي هي الولادة الثانية من رحم الأقدار والتي تجعل النظر للحياة مختلفا عن كل ما سبق..
أما أنا فكانت ولادتي الثانية التي استوعبها وأشعر بها كإنسانة جديدة، هو يوم انجابي لابنتي الأولى! قبل ٢٥ عاما. حين تحولت من سيدة إلى أم! بعد أشهر من الاستعداد ، والقراءة عن عالم الأطفال ورعايتهم.. وسؤال الأمهات السابقات عن خبراتهن..
في مثل هذا اليوم العشرين من جماد الأولى تغيرت حياتي تغييرا مفصليا وإلى الأبد.. ورغم أني لم المح طفلتي حال الولادة من شدة التعب، فقد شعرت بكيان خفيف يوضع على قلبي.. عرفت بعدها أنهم ألصقوها لثوان معدودة قبل أن تؤخذ لحضّانة الأطفال. واحضروها بعد ساعات لي! الدهشة التي انتابتني حينها ادهشتني أكثر!
تذكرت أمي رحمها الله تقول: كلما ولدت أحدا منكم كنت أجهش بالبكاء تأثراً من المعجزة الربانية!
الشعور أن كائنا ضعيفا لا يملك حولا ولا قوة.. يعتمد بالكلّية عليك ؛ يخلق شعورا هائلا بالعطف والمسؤولية التي غرسها الله في كل النساء، لكنها تنبثق كدوامة في محيط وتسحب إليها الأمهات فلا يستطيعون فكاكا! و يظل هذا الشعور الطاغي بالرحمة والقلق والاهتمام حتى حين يكبر الأبناء ويفوقوننا طولا.. أو معلوماتٍ.. أو قدرات
كيف اصبح يومي يبدأ ببكاءها الصباحي أو مناغاتها طلبا للحليب.. ؟ وينتهي بهمهماتها المستمتعة بالرضاعة قبل الاستغراق في النوم..؟
وتحولت افراحي إلى ظهور السن الأول والضحكة الأولى.. والقبلة الأولى..
واعتبرت الخطوات الأولى لها أهم من خطوات “نيل آرمسترونج” المشكوك في حدوثها..
مع الأمومة يصبح يوم دخول المدرسة عيدا.. والوصول إلى الجامعة نصرا مؤزرا… أما التخرج منها فهو التتويج البهي..
للطفل الأول ذكريات لا يمحوها مَن بعده.. وعكاته الصحية وليال السهر.. غيرته ممن يأتي بعده.. كلماته الأولى بحروف مشقلبة و التي تجعل الأسرة تضيفها لقاموسها العائلي..
أتأمل حياتي التي مارست فيها أدوارا عدة في الحياة ابنة وأخت و زوجة و صديقة و موظفة.. و خالة.. وحفيدة.. لكن لم يرق لي دور أكثر دور الأم!
حين تمر بي المواقف التي تحتاج إلى حنكة ورويّة وحكمة مكتسبة.. و يثني علي ابنائي.. اتذكر حديث الرسول عليه السلام” كلٌ ميّسر لما خُلِقَ له” ! اتفكر:
يبدو أن هذه المهمة التي يسرها الله لي حين خلقني.
وكنت انظر باستهجان شديد للأمهات اللاتي لا يحبذن مناداتهن بالكنية! أم فلان! أما أنا فاعتبرتها افضل لقب حصلت عليه.
ذات مرة كنت اقرأ السيرة الذاتية لمناضلة نيكاراجوا الأديبة جيوكندا بيلي سأكتب عنها لاحقا_ و ذهلت من وصفها لشعورها يوم وضعت طفلتها الأولى! تأكدت حينها أن الأمومة الحقيقية واحدة من مجاهل افريقيا لقبائل الإسكيمو.. ومن سور الصين لحدود البيرو..!
حيث قالت
كنت أشعر بالفخر، ومتعبة، كنت أرتعش مثل ورقة شجر)
في الصباح، ملفوفة في لحاف مثل سيجارة، أخذوني إلى مريم، ضممتها بين ذراعين مأخوذة بوجهها الصغير المجعد، كانت مِلكي لدرجة أني شعرت بأني أعانق نفسي. كان وجود هذه المخلوقة الصغيرة يوسع حدودي ويملؤني بالسمو الكوني كنت ممتنة للحياة لأنها جعلتني امرأة وجعلتني أجرب – مثل أي كائن حي، فرس أو لبؤة – الغريزة البدائية بالترحيب بهذه المخلوقة في العالم، وحمايتها وإرضاعها. لقد فتحت هشاشتها أبواب عواطفي مثل نافورة تطلق الماء. وكانت الحرارة تنتقل من بطني إلى ذراعي وإلى صدري..! كان هذا حبا.
في أشهر مريم الأولى حبست نفسي معها في عالم يتكون من فردين حصري ولذيذ. كنت أريد أكلها، ولم أتعب قط من ملامستها وتقبيلها والاستمتاع بحركاتها
((
ولو اطلعت الأمهات على هذا النص لأجمعوا أنه يمثل مشاعرهم.. ولكن الغريب أن كل أم حنونة تعتقد أنها تحب أبناءها أكثر من أي أم في العالم!









