صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

قد يقضي الإنسان ليلته مثقلًا بما لا يعرف كيف يواجهه، ثم يخرج في الصباح بكامل أناقته، هادئ الملامح، متزن الحديث. يبتسم لمن يلقاه، ويؤدي ما عليه، فيظن من يراه أنه مرتاح البال. لا يعرف أن هذا الحضور احتاج منه جهدًا، وأن الوصول إلى يوم عادي قد يكون، في بعض الظروف، معركة كاملة.

كثيرًا ما نقرأ أحوال الآخرين من ظاهرهم؛ نرى الهدوء فنفترض الطمأنينة، ونرى حسن التصرف فنطمئن إلى قدرتهم على الاحتمال. نبني على ذلك توقعاتنا، وربما نقارن متاعبنا بما نتخيله عن سهولة حياتهم. تغيب عنا التفاصيل، لكننا نتصرف كأن الصورة اكتملت.

خلف ذلك التماسك، قد تتزاحم مسؤوليات البيت والعمل، وتثقل الالتزامات المادية، وتتداخل حاجات الأسرة مع مطالب الآخرين. وقد ينشغل الإنسان بخسارة يحاول استيعابها، أو قرار يخشى تبعاته، أو قلق يرافقه إلى أبسط شؤون يومه. ومع ذلك، يختار كلماته بعناية، ويحاول أن يحفظ علاقاته من أثر ما يمر به.

ولعل الأشد وطأة أن يصبح اتزانه سببًا لتحميله المزيد. يُنتظر منه أن يتفهم، وأن يتنازل، وأن يجد الحل، لأنه اعتاد أن يحسن التصرف. تتكرر المطالب، ويقل السؤال عن قدرته، حتى يُعامل عطاؤه كأنه حق ثابت لمن حوله. فإذا اعتذر، قوبل بالاستغراب، وإذا ضاق، سُئل عمّا غيّره؛ كأن ما بذله بالأمس وعدٌ بأن يظل قادرًا اليوم.

وقد يستجيب خشية أن يخيّب ظنًا أو يجرح خاطرًا، فيؤجل حاجته إلى نهاية يوم يكون قد استنفد فيه طاقته. وهكذا تتسع المسافة بين طاقته وما يُنتظر منه، ويصبح الحفاظ على صورته عبئًا يضاف إلى أعبائه.

أما الصمت، فله أسباب لا تظهر للناس. بعضهم يصون خصوصيته، وبعضهم لا يريد أن يقلق من يحب، وآخرون تحدثوا من قبل فوجدوا أوجاعهم موضع تقليل أو تأويل. وهناك من تتشابك داخله الأمور حتى يعجز عن ترتيبها في كلمات. فلا يكفي غياب الشكوى لنطمئن إلى أن الإنسان بخير، ولا يُقاس عمق ألمه بقدرته على الإفصاح عنه. ومن الإنصاف أن نتواضع أمام ما نجهله، وألا نحول انطباعًا عابرًا إلى حكم يثقله أكثر.

تبدأ المساندة أحيانًا من تغيير بسيط في تعاملنا: أن نقبل الاعتذار دون استجواب، وأن نسأل دون إلحاح، وأن نراجع توزيع الأعباء بدل الاعتماد الدائم على الشخص نفسه. وقد يكون رفع مهمة عن كاهله أبلغ من كلمات كثيرة تشيد بقوته ثم تتركه وحده مع الحمل.

ومن اعتاد أن يكون سندًا للجميع، يحتاج إلى مراجعة ما ينتظره من نفسه أيضًا. فتجاوز أيام صعبة لا يلزمه بمواجهة كل ما يأتي بالطريقة نفسها. له أن يعتذر حين تضيق طاقته، وأن يطلب المساندة، وأن يختار ما يبوح به ولمن، دون أن يحمّل نفسه واجب إقناع الجميع بتعبه.

سلامٌ على الذين يرممون أنفسهم في الخفاء، ويستأنفون حياتهم بما بقي لديهم من أمل. لعلنا حين ندرك أن وراء كل وجه حياة لا نحيط بها، نصبح أبطأ في الحكم، وأقرب إلى الفهم، وأكثر انتباهًا لمن ظننا أنهم لا يحتاجون إلينا.

همسة أمل …

ترفّق بمن تراه متماسكًا؛ ليس عليه أن يكشف جراحه حتى يستحق تفهّمك. وإن كنت أنت من يخوض معاركه في صمت، فلا تجعل الحفاظ على صورتك أثقل من المعركة نفسها. لك أن تجد كتفًا تستند إليه، بعدما كنت سندًا لكثيرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى