.
يقدم العلم المعرفة والقدرة، وتقدم الأخلاق المعيار الذي يحدد كيف تستعمل هذه القدرة. وقد ظهر السؤال بحدة حين أنتج العلم الحديث قوى هائلة، منها التجارب الطبية اللاإنسانية والأسلحة الفتاكة والتدخل في الجينات والبيئة.
فهل العلم والأخلاق ميدانان منفصلان، أم أن أحدهما يحتاج الآخر؟ في هذا الموضوع نكتب عن العلاقة بينهما: هل هي تكاملية في جوهرها، أم أن التنافر الذي يظهر أحيانًا سببه الفصل المصطنع بينهما، لا طبيعتهما.
الأخلاق في الحضارات القديمة
مصر القديمة: ارتبط النظام الكوني والاجتماعي بمفهوم «ماعت»، أي الحق والعدل والانسجام، وكان على الحاكم والفرد الالتزام به (Assmann, 2001). وتعكس «الاعترافات السلبية» في كتاب الموتى محاسبة أخلاقية بعد الموت، وكانت المعرفة العملية كالطب والهندسة جزءًا من هذا النظام الأخلاقي والديني.
بلاد الرافدين: عالجت مدونات القانون، ومنها شريعة حمورابي، العدالة والمسؤولية، ومنها مسؤولية الطبيب والبناء عن أخطائهم المهنية (Roth, 1997). وهذه من أقدم الصور لربط الممارسة المهنية والمعرفية بالمساءلة الأخلاقية.
الصين: جعل كونفوشيوس الفضيلة، وخاصة «الرن» (الإنسانية) و«اللي» (اللياقة)، أساس تهذيب الذات والمجتمع، وربط التعلم بتزكية الخلق (Confucius, 2003).
الأخلاق في الفلسفة اليونانية
سقراط: رأى أن الفضيلة معرفة، وأن من عرف الخير حقًا لا يفعل الشر عن قصد، فالشر في نظره ينشأ من الجهل (Vlastos, 1991).
أفلاطون: ورث عن سقراط هذا الربط بين المعرفة والفضيلة وبنى عليه نسقًا متكاملًا، يمكن تلخيصه في أربع أفكار:
1- العدل في النفس والمدينة: قسم النفس إلى العقل والغضب والشهوة، وعد العدل انسجامها بقيادة العقل. وقابل ذلك بالمدينة العادلة التي تؤدي فيها كل فئة وظيفتها (Plato, 1992, 435b–444e).
2- المعرفة والخير: جعل «مثال الخير» أعلى ما يعرف، وشبهه بالشمس التي تعطي الأشياء إمكان الظهور والمعرفة (Plato, 1992, 508a–509c). فالمعرفة عنده لا تكتمل إلا بالاهتداء إلى الخير.
3- مثل الكهف: يصعد الفيلسوف من الظلمات إلى النور، ثم يلزمه أن يعود لتحرير غيره، فالعلم عنده مسؤولية تجاه الآخرين لا امتياز شخصي (Plato, 1992, 514a–521b).
4- نقد المعرفة المنفصلة عن الخير: في محاورة «غورغياس» ينتقد الخطابة التي تسعى إلى الإقناع دون معرفة بالخير، ويقابلها بالفن الحق الذي يقصد صلاح النفس (Plato, 1997). وفي «خارميدس» يرى أن الطبيب لا يصح أن يعالج الجسد دون النفس، لأن الصحة الكاملة مرتبطة بصلاح النفس (Plato, 1997, 156e–157c)، وهذا قريب من موضوعنا، فهو يربط الطب والعلم الطبيعي بالبعد الأخلاقي.
ويرى الدارسون أن أخلاق أفلاطون أخلاق سعادة وفضيلة، تجعل الخير الأعلى غاية العلم والسلوك معًا (Annas, 1981; Irwin, 1995).
أرسطو: ميز بين الفضائل العقلية والخلقية، وجعل الفضيلة وسطًا بين رذيلتين تكتسب بالعادة والتمرن، وغاية الإنسان «الإيودايمونيا» أي الازدهار الإنساني (Aristotle).
المدارس الهلنستية: أكدت الرواقية والأبيقورية أن الفلسفة طريق لحياة فاضلة مطمئنة (Annas, 1993).
الدرس المشترك: المعرفة عند اليونان لم تنفصل عن الغاية الأخلاقية، بل كانت أحد طرق تحقيقها. وعند أفلاطون خاصة لا يكتمل العلم إلا حين يهتدي بالخير ويوضع في خدمة العدل.
الأخلاق في الإسلام
تجمع الرؤية الإسلامية بين العلم والعمل منذ أول الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، فالقراءة مقترنة بالمرجعية الأخلاقية والإيمانية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، فجعلت الخشية، وهي قيمة خلقية، ثمرة للعلم الحقيقي.
ووصف القرآن نبيه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (رواه أحمد).
وفي التراث الفكري كتب مسكويه «تهذيب الأخلاق» وجمع فيه الموروث اليوناني مع الرؤية الإسلامية، وعد الخُلق حالًا للنفس تدعوها إلى أفعالها دون تكلف، وقابلًا للتهذيب (Miskawayh, 1968).
وجعل الغزالي العلم النافع هو ما أورث العمل والخشية، وحذر من علم لا يصلح القلب (Al-Ghazālī, d.n.). وتناول الباحثون المعاصرون هذا التراث بوصفه نظريات أخلاقية متنوعة، منها العقلانية والنقلية والصوفية (Fakhry, 1991; Hourani, 1985).
وأكد طه عبد الرحمن أن فصل الأخلاق عن العلم والعقل الحديث أحد أسباب أزمة الحداثة (عبد الرحمن، 2000).
كما أسست مقاصد الشريعة، أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، إطارًا يحكم التطبيق العلمي والتقني بميزان المصلحة ودفع الضرر.
هل هما متنافران؟ حجج الفصل
1- التمييز بين الوصف والمعيار: يرى هيوم أن ما «هو كائن» لا يلزم منه منطقيًا ما «ينبغي أن يكون» (Hume, 1978). فالعلم يصف الظواهر، ولا يقرر القيم.
2- الحياد العلمي: يقال إن إدخال الأخلاق في البحث يفسد موضوعيته.
لماذا التكامل أرجح؟
هذه الحجج تنفي أن يستنتج العلم القيم، لكنها لا تنفي حاجة العلم إلى القيم.
أخلاقيات البحث: أظهرت تجارب أطباء النازية أن العلم دون ضابط أخلاقي ينتج فظائع، وكان من ثمرات المحاكمات «مدونة نورمبرغ» التي جعلت الموافقة الطوعية شرطًا للبحث على الإنسان (Annas & Grodin, 1992).
وتقوم أخلاقيات الطب الحيوي اليوم على مبادئ الاستقلالية والإحسان وعدم الإضرار والعدالة (Beauchamp & Childress, 2019).
مسؤولية القوة: كلما زادت قدرة العلم على التأثير، زادت مسؤولية استعماله، وهو ما دعا إليه هانس يوناس في «مبدأ المسؤولية» (Jonas, 1984).
القيم داخل العلم: الصدق والأمانة والتواضع والدقة وعدم التزييف قيم أخلاقية تقوم عليها الممارسة العلمية ذاتها.
والخلاصة أن العلم يحتاج الأخلاق ليهتدي في الغايات والحدود، وتحتاج الأخلاق العلم لتفهم الواقع وتقدر العواقب. فالأخلاق بلا علم قد تصير حسن نية قاصرًا، والعلم بلا أخلاق قد يصير قوة عمياء.
علاقة العلم بالأخلاق، في الحضارات القديمة واليونان والإسلام، علاقة تكامل ارتبطت فيها المعرفة بالفضيلة عند اليونان والصين ومصر، وجعلها الإسلام عبادة ومسؤولية وخشية. أما التنافر فهو نتاج مرحلة تاريخية حديثة فصل فيها المنهج عن القيمة، والمطلوب اليوم علم يحتكم إلى ضمير أخلاقي، وأخلاق تستنير بالمعرفة.







