صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
آخر الأخبار

السعودية تراهن على اقتصاد المستقبل.. استثمارات كبرى تتجاوز تقلبات النفط

 

وسط اضطرابات التجارة العالمية والتوترات الإقليمية، تواصل المملكة العربية السعودية توسيع استثماراتها في قطاعات السياحة والتطوير الحضري والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعة، مستندة إلى مشاريع بمليارات الريالات تستهدف تنويع مصادر الدخل، وتوليد الوظائف، وبناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات الدولية.

وأعادت الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإيرانية تسليط الضوء على حساسية أسواق النفط والتجارة العالمية تجاه الأزمات

الجيوسياسية. وفي المقابل، برزت المشاريع السعودية الكبرى باعتبارها أحد المسارات الرئيسية للتحول الاقتصادي الذي تقوده رؤية المملكة 2030، مع استمرار الاستثمار في قطاعات غير نفطية ذات عوائد تنموية طويلة الأجل.

وكان صندوق النقد الدولي قد أشار إلى مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة تداعيات الصراع الإقليمي، مستنداً إلى تطور البنية التحتية والإصلاحات الاقتصادية، مع توقع استمرار دعم النشاط الاقتصادي عبر الإنفاق الحكومي وتنفيذ المشاريع الرأسمالية، رغم الضغوط التي تعرض لها النمو خلال عام 2026 نتيجة اضطرابات التجارة والشحن.

وتتوزع الاستثمارات السعودية على ثلاثة مسارات رئيسية تشمل تطوير المدن والوجهات السياحية، وتوسيع الاقتصاد الرقمي، وبناء صناعات جديدة في الطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم.

المدن الكبرى.. استثمارات تتحول إلى فرص عمل

في المنطقة الشرقية، يمثل مشروع «داون تاون الخبر»، الذي تطوره شركة داون تاون السعودية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، نموذجاً للتوسع في تطوير المراكز الحضرية، من خلال إنشاء وحدات سكنية وفنادق ومساحات تجارية ومكتبية تدعم النشاط الاقتصادي وترفع جاذبية المدن للاستثمار.

وتتجاوز القيمة الاقتصادية لهذه المشاريع أعمال الإنشاء والتطوير العقاري، لتشمل فرص العمل المرتبطة بالضيافة والتجزئة والخدمات والتشغيل، إلى جانب تنشيط الأعمال التجارية واستقطاب الاستثمارات الخاصة.

وفي الدرعية، تتسع الاستثمارات لتشمل أحد أبرز مشاريع التطوير الحضري والسياحي في المملكة، بميزانية تطويرية تتجاوز 236 مليار ريال، تتضمن أكثر من 28 فندقاً و18 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى مساحات واسعة مخصصة للأنشطة التجارية والمكتبية.

وتستهدف الدرعية توفير نحو 178 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة عند اكتمال المشروع، بما يمنحها دوراً اقتصادياً يتجاوز استقطاب الزوار إلى تنمية قطاعات الأعمال والخدمات وتوسيع الفرص الوظيفية.

وتستفيد هذه الاستثمارات من النمو المتسارع لقطاع السياحة السعودي خلال السنوات الأخيرة، والذي عزز مكانة المملكة ضمن الأسواق السياحية الأسرع نمواً عالمياً، ورفع جاذبية مشاريع الضيافة والترفيه أمام المستثمرين.

الذكاء الاصطناعي.. صناعة اقتصادية بمليارات الدولارات

وفي قطاع التكنولوجيا، تتجه الاستثمارات السعودية نحو تأسيس بنية تحتية رقمية متقدمة، تشمل مراكز البيانات والحوسبة عالية الأداء والخدمات السحابية، عبر مشاريع تقودها شركة «هيوماين» وشركات متخصصة في البنية التحتية الرقمية.

وتستهدف هذه الاستثمارات تعزيز قدرات المملكة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستقطاب الشركات التقنية، إلى جانب بناء منظومة اقتصادية قادرة على المنافسة في أحد أسرع القطاعات نمواً على المستوى العالمي.

وتشير تقديرات شركة «PwC» إلى إمكانية مساهمة الذكاء الاصطناعي بنحو 135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، بما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى مساهمة متوقعة لهذه التقنية على مستوى الشرق الأوسط.

وتمنح هذه التقديرات استثمارات مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة بعداً اقتصادياً واسعاً، يرتبط بتطوير الخدمات الرقمية، ورفع الإنتاجية، وتوطين التقنيات، وخلق فرص جديدة أمام الكفاءات الوطنية والشركات الناشئة.

الهيدروجين الأخضر.. صناعة تصديرية جديدة

وفي قطاع الطاقة النظيفة، يتقدم مشروع شركة نيوم للهيدروجين الأخضر بوصفه أحد أبرز الاستثمارات السعودية في الصناعات منخفضة الانبعاثات، باستثمارات تبلغ 8.4 مليار دولار.

ويستهدف المشروع استخدام نحو 4 غيغاواط من الطاقة المتجددة لإنتاج ما يصل إلى 600 طن يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون، وتحويله إلى أمونيا خضراء مخصصة للتصدير.

وتأتي هذه الاستثمارات وسط اهتمام عالمي متزايد بتطوير مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تواجه تحديات في خفض الانبعاثات الكربونية.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تجاوز الطلب العالمي على الهيدروجين 100 مليون طن سنوياً، مع تسجيل نمو في الطلب على الهيدروجين منخفض الانبعاثات خلال عام 2025.

وتفتح هذه المؤشرات أمام المملكة فرصاً لتوسيع حضورها في أسواق الطاقة المستقبلية، مستفيدة من مواردها الطبيعية وقدراتها الاستثمارية وخبراتها الممتدة في قطاع الطاقة.

«سير».. السيارات الكهربائية تدخل معادلة التصنيع الوطني

وفي مسار صناعي آخر، تعمل شركة «سير»، أول علامة تجارية سعودية لصناعة السيارات الكهربائية، على تأسيس قاعدة إنتاج محلية ضمن توجه المملكة لتطوير الصناعات المتقدمة وتعزيز المحتوى المحلي.

ومن المقرر تصنيع سيارات الشركة في مجمعها الصناعي الواقع ضمن مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بما يدعم إنشاء منظومة صناعية تشمل التصنيع والتوريد والخدمات التقنية المرتبطة بقطاع المركبات الكهربائية.

وتتوقع الشركة أن تتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي 30 مليار ريال بحلول عام 2034، إلى جانب تحسين الميزان التجاري بنحو 80 مليار ريال، وتوفير وظائف نوعية مباشرة وغير مباشرة.

ويمثل المشروع فرصة لتطوير سلسلة إمداد صناعية جديدة، واستقطاب الاستثمارات التقنية، وتنمية الخبرات الوطنية في مجالات هندسة المركبات والتصنيع والتقنيات الكهربائية.

اقتصاد ما بعد النفط.. تنويع الإنتاج وتعزيز الاستدامة

وتكشف المشاريع السعودية الكبرى عن توجه اقتصادي يقوم على توسيع القاعدة الإنتاجية، واستثمار الموارد المالية في قطاعات قادرة على توليد أنشطة اقتصادية جديدة، بدلاً من الاعتماد على العوائد النفطية بوصفها المحرك الرئيسي للنمو.

وتبرز أهمية هذا التوجه في قدرته على تنشيط الاستثمار الخاص، وتطوير الصناعات الوطنية، وزيادة فرص التوظيف، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.

ومع استمرار التحديات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية، تبقى قدرة هذه المشاريع على تحقيق مستهدفاتها التشغيلية والمالية، واستقطاب الاستثمارات، وتوليد الوظائف، معياراً رئيسياً لقياس أثرها الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

وتتجاوز الرؤية الاقتصادية للمملكة مسألة تنويع مصادر الدخل إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة، تجمع بين المدن الحديثة والصناعات المتقدمة والتقنيات الرقمية والطاقة النظيفة، بما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على النمو والاستدامة في عالم سريع التحول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى