.

ليست الحياة طريقًا مستقيمًا يخلو من المنعطفات، ولا بحرًا هادئًا لا تعكره الأمواج. فالعواصف جزء من رحلة الإنسان، منها ما يأتي على هيئة ظروف قاسية، ومنها ما يكون في صورة خلافات، أو خيبات، أو قرارات مصيرية تفرض علينا أن نختار بين الاندفاع والحكمة.
ولعل أكثر ما نخطئ فيه هو اعتقادنا أن النجاة تكون دائمًا بالمواجهة. فقد اعتدنا أن نربط القوة بالصلابة، وأن نظن أن الإنسان القوي هو الذي لا يتراجع، ولا يلين، ولا يغيّر موقفه مهما اشتدت الظروف. لكن الحياة، بما تمنحه من تجارب، تعيد تعريف القوة في كل مرحلة، فتخبرنا أن الثبات لا يعني الوقوف في وجه كل ريح، وأن الشجاعة ليست في خوض كل معركة، بل في معرفة أي المعارك تستحق أن نخوضها.
وتعلّمنا الطبيعة هذا الدرس في صمت. فالسنابل كلما اشتدت عليها الرياح انحنت، لا خوفًا من المواجهة، ولا ضعفًا في جذورها، وإنما لأنها تدرك أن العاصفة عابرة، وأن البقاء أهم من انتصارٍ مؤقت. وما إن تهدأ الريح حتى تعود شامخة كما كانت، وكأن انحناءها لم يكن إلا صورة من صور الحكمة.
وهكذا هو الإنسان الناضج؛ لا يقيس قوته بعدد الخصومات التي خاضها، ولا بعدد الكلمات التي ردّ بها على من أساء إليه، بل بقدرته على أن يبقى سيدًا لنفسه حين يستفزه الغضب، وأن يحافظ على اتزانه حين تدفعه الظروف إلى الاندفاع. فالانتصار الحقيقي لا يكون دائمًا على الآخرين، وإنما يبدأ بالانتصار على النفس.
ومن علامات النضج أن يدرك الإنسان أن بعض الصمت أبلغ من الكلام، وأن بعض التجاوزات ليست ضعفًا، بل احترامًا للنفس، وحفاظًا على راحة القلب، وصونًا للعقل من أن يُستنزف في معارك لا تضيف إلى الحياة إلا مزيدًا من التعب.
ولعل الطبيعة تؤكد هذا المعنى مرة أخرى؛ فالماء لا يشق الصخور بعنفه، وإنما بصبره واستمراره، والغصن الذي يلين للريح يبقى، بينما تنكسر الأغصان التي تصر على مقاومة كل هبة بعناد. فسر البقاء ليس في الصلابة وحدها، بل في المرونة التي تحفظ المبادئ، دون أن تستهلك صاحبها.
ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك صلح الحديبية؛ فقد رأى بعض الصحابة رضي الله عنهم أن شروط الصلح قاسية، حتى بدا وكأن المسلمين قدّموا تنازلات كبيرة. لكن النبي ﷺ نظر ببصيرة القائد إلى ما وراء اللحظة، فكان الصلح فتحًا عظيمًا ومقدمةً لانتشار الدعوة. وهكذا تثبت لنا السيرة أن ما يبدو تراجعًا في ظاهره، قد يكون في حقيقته أعظم صور الحكمة، وأقصر الطرق إلى النصر.
ومع مرور السنوات، يكتشف الإنسان أن أكثر القرارات التي أنقذته لم تكن تلك التي انتصر فيها على الآخرين، بل تلك التي انتصر فيها على اندفاعه، وأمسك لسانه، وغادر مكانًا لم يعد يشبه قيمه، أو أغلق بابًا أدرك أن البقاء خلفه سيكلّفه راحته وسلامه.
فليس كل باب يُطرق، ولا كل كلمة تستحق جوابًا، ولا كل معركة تستحق أن نخوضها.
فبعض الانحناءات لا تُسقط هيبة الإنسان، بل تحفظ قامته حتى يحين وقت الوقوف.
همسة امل….
إن فن النجاة من العواصف لا يقوم على الهروب منها، ولا على تحديها بعناد، وإنما على امتلاك البصيرة التي تميز بين ما ينبغي مقاومته، وما ينبغي تجاوزه، وبين موقف يحتاج إلى ثبات، وآخر يحتاج إلى حكمة. فليس أعقل الناس من ربح كل معركة، بل من عرف أي معركة تستحق أن يبذل فيها عمره وطاقته.
لا تطلب من الحياة أن تخلو من العواصف، فالعواصف ماضية في طريقها، ولكن ازرع في داخلك جذورًا لا تقتلعها الرياح. وتذكر دائمًا أن السنابل لم تبلغ موسم الحصاد لأنها قاومت كل ريح، بل لأنها عرفت متى تنحني، ثم عرفت كيف تعود واقفة. وكذلك الإنسان؛ لا تُقاس قوته بعدد المعارك التي خاضها، بل بحكمته في اختيارها، وثباته بعد كل عاصفة، وسلامه الذي لم تستطع الحياة أن تنتزعه منه.






