صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

بعض القصص لا تُروى بالكلمات، بل تظهر في عين تتهرّب، وصمت يطول أكثر مما ينبغي.

كان رجل يجلس كل مساء إلى جوار زوجته، يسألها عن يومها، فتجيبه بابتسامة هادئة: «الحمد لله، كل شيء بخير». يسمع الإجابة ويطمئن، ثم يعود إلى عمله وأفكاره، بينما كانت تحمل في داخلها شيئاً لم تستطع التعبير عنه. لم تكن تخفي الحقيقة، كانت فقط تنتظر أن يلاحظ.

وفي بيت آخر، كان أب تقدّم به العمر يجلس بين أبنائه، يشاركهم الحديث ثم يصمت. لم يطلب شيئاً ولم يشكُ من شيء، فظن الجميع أنه بخير. لم ينتبه أحد إلى أنه أصبح أقل كلاماً، وأنه لم يعد يطلب من أحد أن يجلس بجانبه كما كان يفعل.

وفي بيت ثالث، كان طفل يعود من المدرسة، يضع حقيبته ويقول لأمه: «كان يوماً عادياً». فتطمئن وتكمل أعمالها. لم تعرف أن الطفل يحمل في صدره موقفاً صغيراً بالنسبة للكبار، لكنه كبير جداً بالنسبة لقلبه الصغير. لم يكن يعرف كيف يحكيه، ولم يجد سؤالاً ثانياً يساعده على البدء.

هكذا تمر أشياء كثيرة أمامنا دون أن نراها، ليس لأنها مختبئة، بل لأننا لم نعد ننتبه بما يكفي.

يمتلك الإنسان قدرة غريبة تجعله يشعر أحياناً بأن شيئاً ما ليس على ما يرام قبل أن يعرف السبب. تدخل مجلساً فتشعر أن الجو مختلف رغم أن الجميع يضحكون. تلتقي صديقاً لم تره منذ مدة، فيقول إنه بخير، لكنك تدرك أن صوته ليس صوته المعتاد. تجلس مع شخص تحبه، فتلاحظ أن حديثه أقل، وأن عينيه تذهبان بعيداً بين الجملة والأخرى.

لا أحد أخبرك بشيء، لكن شيئاً داخلك التقط الإشارة.

يمكن أن نسميها مجازاً «الحاسة السادسة»، فهي ليست قدرة خارقة ولا معرفة بالغيب، وإنما ذلك الحدس الإنساني الذي يتشكل من التفاصيل الصغيرة التي نتعلمها عن الأشخاص الذين نحبهم: نبرة صوتهم، طريقة ضحكهم، صمتهم، حركاتهم، وما يتغير فيهم عندما يتعبون.

إنها القدرة على أن تعرف أن شخصاً ما ليس بخير، حتى عندما يقول إنه بخير.

لكن يبدو أننا نفقد هذه القدرة شيئاً فشيئاً، ليس لأن الإنسان تغيّر بالضرورة، بل لأن الانتباه نفسه أصبح عملة نادرة.

نحن مشغولون. بالعمل، بالمسؤوليات، بالمواعيد، بالمستقبل، وبأشياء لا تنتهي. ولذلك أصبح من السهل أن يتغير شخص أمامنا دون أن نلاحظ متى بدأ التغير.

صديق كان يتحدث كثيراً ثم أصبح قليل الكلام، فنقول: «كبر وتغير». قريب كان حاضراً دائماً ثم بدأ يغيب، فنقول: «الدنيا أخذته». ابن كان يحكي تفاصيل يومه ثم اختصر كل شيء في كلمة «تمام»، فنقول: «مراهقة». زوجة كانت تحكي عن كل شيء ثم أصبحت تقول: «ما في شيء»، فنقول: «يمكن تعبانة». أب كان يحب الجلسات ثم أصبح يفضل الصمت، فنقول: «كبر في السن».

كل تفسير يبدو منطقياً.

لكن السؤال الذي لا نطرحه غالباً هو:

هل لاحظنا فعلًا؟

ربما لا تبدأ نهاية العلاقات من حدث كبير، بل من أشياء صغيرة لا يلتفت إليها أحد. سؤال لم يُطرح، مكالمة تأجلت، جلسة لم تتم، تعب مرّ دون ملاحظة، وصمت اعتبرناه طبيعياً.

ثم تمر السنوات، ونكتشف أن المسافة بيننا وبين شخص كان قريباً أصبحت كبيرة إلى درجة أننا لا نعرف كيف نعبرها.

نقول: «هو تغيّر».

لكن الحقيقة قد تكون أكثر وجعاً:

ربما لم يتغير هو… ربما نحن الذين توقفنا عن ملاحظته.

فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يحل مشكلته، أحياناً يحتاج فقط إلى من يلاحظ أن هناك مشكلة.

قد يكون قادراً على الاستمرار لكنه متعب، وقادراً على الضحك لكنه حزين، وناجحاً في عمله لكنه يشعر أنه يفشل في حياته. وقد يكون محاطاً بعشرات الناس، لكنه لا يجد شخصاً يسأله بصدق: «كيف أنت؟»

ليس السؤال الذي نقوله مجاملة ونحن ننتظر الإجابة لننتقل إلى موضوع آخر، بل السؤال الذي يحمل استعداداً حقيقياً لسماع الإجابة.

ولهذا يصبح الانتباه شكلاً من أشكال المحبة.

أن تلاحظ تغير إنسان يعني أنك كنت تراه قبل التغير. وأن تشعر بصمته يعني أنك تعرف صوته. وأن تكتشف حزنه خلف ابتسامته يعني أنك لم تكن تنظر إلى وجهه فقط، بل كنت تعرفه.

والأقسى أن بعض الناس يتوقفون عن طلب الاهتمام قبل أن يتوقفوا عن احتياجه.

يحاولون في البداية أن يحكوا ويقتربوا ويشرحوا، ثم يكتشفون أن الآخرين مشغولون، فيختصرون، ثم يصمتون، ثم يعتادون الصمت. وبعد فترة يبدو للجميع أنهم بخير، لأنهم لم يعودوا يطلبون شيئاً.

وهذه واحدة من أكثر الخدع قسوة في العلاقات الإنسانية:

أن يُفهم صمت الإنسان على أنه اكتفاء، بينما قد يكون في الحقيقة استسلاماً.

فهل فقدنا فعلاً هذه الحاسة؟

هل أصبحت الحياة أسرع من قدرتنا على التوقف؟ هل أرهقتنا المسؤوليات؟ هل تغيرت الأسرة وطريقة اجتماعها؟ هل أصبح الإنسان أكثر انشغالاً بنفسه؟ هل ساهمت الشاشات ووسائل التواصل في أن نعرف أخبار الناس أكثر، بينما نعرف أحوالهم أقل؟

أم أن المشكلة أعمق من كل ذلك؟

ربما لا يوجد سبب واحد. وربما تراكمت أشياء صغيرة حتى أصبح الإنسان يمر بجوار إنسان آخر دون أن يراه فعلاً.

والحل، رغم كل هذا التعقيد، قد يكون بسيطاً جداً:

أن نستعيد فضيلة الانتباه.

أن نجلس مع من يحدثنا كما لو أنه أهم شخص في الغرفة. أن نسمع حديثه حتى النهاية. أن نلاحظ التغيرات الصغيرة. أن نتصل دون مناسبة، ونزور دون سبب، ونسأل سؤالاً ثانياً عندما نشعر أن الإجابة الأولى لم تكن كاملة.

وأحياناً لا نحتاج إلى أن نقول شيئاً.

يكفي أن نجلس بجانب شخص صامت، ونترك له مساحة آمنة ليبدأ الكلام بنفسه.

فنحن لا نستطيع أن نمنع الحزن عن من نحب، ولا أن نحل كل مشكلاتهم، لكننا نستطيع أن نفعل شيئاً عظيماً جداً:

ألا نتركهم يواجهون كل ذلك وهم يشعرون أنهم غير مرئيين.

الإنسان يستطيع أن يتحمل أشياء كثيرة، لكنه يتعب جداً عندما يشعر أنه غير مرئي.

وربما عندما تنتهي أعمارنا، لن تكون أهم الذكريات عدد الأشخاص الذين عرفناهم، ولا عدد الذين تحدثنا إليهم، ولا عدد المرات التي قلنا فيها إننا نهتم.

ستكون الذكرى الأجمل أبسط من ذلك بكثير:

ذلك الشخص الذي رآنا في اللحظة التي لم يرنا فيها أحد.

لذلك، لا تمر على الناس مروراً عابراً.

توقف قليلاً.

انظر.

أنصت.

لاحظ.

فربما خلف ابتسامة شخص قريب منك قصة لم يستطع أن يرويها، وربما خلف صمته نداء خافت لا يسمعه إلا من يعرفه حقاً.

وقد تكون أنت، دون أن تدري، الشخص الوحيد القادر على سماعه.

وربما أجمل ما يمكن أن تمنحه لإنسان متعب في هذا العالم ليست نصيحة، ولا حلًا، ولا حتى كلمة «أحبك».

ربما هي جملة أبسط من كل ذلك:

«أنا أراك.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى