صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ابن الزعيم في قلب الصراع.. خلافة الحوثي تفتح أبواب البيت من الداخل

هناك لحظات لا نعود فيها إلى الماضي رغبةً في استعادته، بل لنعرف إن كان لا يزال قادرًا على الوصول إلينا.

قد يجد الإنسان نفسه أمام مكان حمل يومًا كثيرًا من التفاصيل، أو شخص كان حضوره كفيلًا بإرباك مشاعره، أو موقف يعيد إليه شيئًا مما مضى، فيراقب قلبه بصمت ويسأل:

هل ما زلت أشعر كما كنت؟

ربما يكون الفضول هو ما يقودنا إلى هذا الاختبار، وربما الحنين، أو حاجتنا إلى التأكد من أننا تجاوزنا فعلًا ما ظننا أننا تجاوزناه. فالإنسان لا يعرف دائمًا متى تنتهي بعض المشاعر؛ لأنها لا ترحل بالضرورة في اللحظة التي يرحل فيها أصحابها، ولا تعلن نهايتها بوضوح.

ولهذا نصنع في خيالنا مشهدًا كاملًا قبل أن يحدث اللقاء. نتوقع الكلمات وردود الأفعال، ونظن أن اللهفة القديمة ستعود بمجرد أن يصبح الغائب حاضرًا، وأن القلب سيستعيد ارتباكه الأول وكأن السنوات لم تمر.

ثم يحدث ما انتظرناه، فتأتي الحقيقة مختلفة.

نكتشف أن المكان لم يعد يحمل التأثير ذاته، وأن اللقاء الذي تصورناه طويلًا مرّ بهدوء، وأن القلب الذي خشينا اضطرابه لم يعد يقف في النقطة نفسها.

وهنا يصبح الموقف كشفًا لنا أكثر من كونه اختبارًا للآخر.

فالذاكرة قادرة على الاحتفاظ بصورة الشعور حتى بعد أن يتغير الشعور نفسه. نتذكر التفاصيل بوضوح، فنظن أن الإحساس ما زال حيًا، مع أن وضوح الذكرى لا يعني بالضرورة بقاء ما ارتبط بها.

وقد قال محمود درويش:

«وأنا صرتُ غيري.»

 

فالزمن لا يغيّر الأشياء من حولنا فحسب، بل يغيّر الطريقة التي ننظر بها إليها. وما كان يومًا يحتل مساحة واسعة في داخلنا قد يصبح مع مرور السنوات مجرد جزء من حكايتنا.

وأحيانًا لا نشتاق إلى الشخص ذاته بقدر ما نشتاق إلى الزمن الذي ارتبط به؛ إلى مرحلة من أعمارنا، أو تفاصيل عشناها، وربما إلى نسخة قديمة من أنفسنا كانت ترى الحياة بعين مختلفة.

ومن هنا يختلط علينا الحنين بالرغبة في العودة، مع أنهما ليسا شيئًا واحدًا.

قد نشتاق إلى مرحلة ولا نريد استعادتها، ونبتسم لذكرى دون أن نتمنى تكرارها، ونحتفظ بمودة تجاه شخص لم يعد له مكان في حاضرنا. فالحنين قد يكون اعترافًا بأن شيئًا كان جميلًا يومًا، وليس دعوة إلى أن يعود.

وربما لهذا نختبر قلوبنا؛ لنفصل بين ما نتذكره وما ما زلنا نشعر به.

فبعض المشاعر تنتهي قبل أن ندرك نهايتها، ولا نعرف أنها غادرت إلا عندما يأتي الموقف الذي كان يفترض أن يوقظها، فلا نجدها.

ولا يعني ذلك أن الماضي كان وهمًا، أو أن ما شعرنا به لم يكن حقيقيًا. فالمشاعر قد تكون صادقة وعميقة في وقتها، ثم تنتهي حين تنتهي مرحلتها. انتهاء الشعور لا يجعله كاذبًا، كما أن تغيّر الإنسان لا يلغي حقيقة ما عاشه.

فنحن لا نعبر التجارب ونخرج منها كما دخلناها.

تغيرنا المعرفة، وتعيد الخيبات ترتيب أولوياتنا، ويمنحنا الزمن فهمًا لم نكن نملكه ونحن في قلب الأحداث. تسقط بعض الصور، وتنضج احتياجاتنا، ونصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما نفتقده فعلًا وما اعتدنا فقط على وجوده.

ولذلك ليس كل لقاء قادرًا على إعادة مشاعر رحلت، كما أن الغياب لا يمحو بالضرورة كل شعور حقيقي. بعض الأحاسيس تصمد أمام المسافات، وأخرى تنتهي حتى لو عاد أصحابها؛ لأن المسألة لا تتعلق دائمًا بمن رحل أو عاد، بل بمن أصبحنا نحن بعد كل ما حدث.

وهنا تكمن المفاجأة.

قد نمضي وقتًا طويلًا نتخيل كيف ستكون ردة فعلنا، بينما كان خيالنا يستدعي نسخة قديمة منا، ثم يأتي الواقع ليواجه النسخة التي نحن عليها اليوم.

ولهذا لا ينبغي أن نفسر غياب اللهفة دائمًا على أنه برود، ولا هدوء القلب على أنه قسوة. أحيانًا يكون الهدوء علامة على أن مرحلة اكتملت، وأن شيئًا في داخلنا وصل إلى نهايته دون خصام أو ضجيج.

فبعض المشاعر لا نسمع صوت رحيلها.

نكتشف غيابها فقط عندما نقف مرة أخرى أمام ما كان يهزنا، فلا نهتز.

وعندها لا يعود السؤال:

هل ما زال هذا الشخص أو المكان قادرًا على إحداث الشعور ذاته؟

بل يصبح السؤال الأكثر صدقًا:

هل ما زلت أنا كما كنت؟

وربما يكون هذا هو السبب الأعمق الذي يجعلنا نختبر قلوبنا؛ فنحن لا نبحث دائمًا عن دليل على بقاء الشعور، بل عن دليل على مقدار ما تغيّرنا.

همسة أمل

بعض المواقف لا تأتي لتعيد الماضي، بل لتكشف لنا مقدار ما ابتعدنا عنه. وقد نعود أحيانًا لا بحثًا عمّا فقدناه، بل لنتأكد أن القلب الذي كان يسكن هناك قد مضى هو الآخر، وأننا أصبحنا نسخة لا تحتاج إلى استعادة ما تجاوزته ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى