صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

ليست الأوطان مجرد أرض نسكنها؛ فبعض الأوطان تسكننا، وتترك ملامحها في طباعنا ومواقفنا، وفي الطريقة التي نستقبل بها الغريب، ونقف بها إلى جوار القريب، وفي شجاعة تحضر حين يستدعيها الموقف، وهمّة لا تنطفئ حين يطول الطريق، وكرم لا ينتظر مناسبة كي يظهر.

ومن هنا تأتي هوية يومنا الوطني «عزّنا بطبعنا»؛ وكأنها لا تصف مناسبة نحتفي بها فحسب، بل تعيدنا إلى سؤال أعمق: كم من الوطن نحمله في داخلنا؟

فالوطن لا يظهر فقط حين نرفع رايته، بل حين تتحول قيمه إلى سلوك نعيشه. يظهر في أصالة تعرف جذورها دون أن تبقى أسيرة الماضي، وفي رؤية تتطلع إلى المستقبل دون أن تنسى من أين بدأت، وفي شجاعة ترى في الصعاب طريقًا للعبور، وفي همّة تدرك أن المنجزات الكبرى تبدأ بخطوات آمنت بأثرها واستمرت.

وحين نتأمل حكاية المملكة، نجد أن كثيرًا من معانيها لم تكتبها الكلمات وحدها، بل صنعتها المواقف، ورسختها المنجزات، وحملتها الأجيال جيلًا بعد جيل. وطن انطلق من جذور راسخة، ومضى يبني ويتطور، محتفظًا بملامحه التي تمنحه خصوصيته، ومستقبلًا الغد بثقة وطن يعرف تاريخه ويعرف إلى أين يمضي.

ولعل الجود والكرم من أكثر تلك الملامح حضورًا؛ فهما ليسا مجرد ما نقدمه للآخرين، بل خُلُق يظهر في استقبال الناس، ومساندتهم، وإكرامهم، وترك الأثر الطيب في نفوسهم. فبعض القيم لا تحتاج إلى كثير من التعريف؛ يكفي أن تراها في موقف حتى تعرف الأرض التي أنبتتها.

أما الأصالة، فليست وقوفًا عند الماضي، وإنما وعي بالجذور ونحن نصنع القادم. وما أجمل أن يتسع الوطن للتاريخ والمستقبل معًا؛ يصون ذاكرته ويتمسك بقيمه، وفي الوقت ذاته يفتح أبوابه للطموح والتقدم.

وقد عبّر الشاعر السعودي علي بن محمد صيقل عن هذا المعنى بقوله:

«ضممتُها.. إنها رمزُ العطاءِ.. وفي
جذورها عروةٌ وُثقى تؤصّلني»

فالجذور ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي هوية تمنحنا الثبات ونحن نصنع المستقبل.

ولهذا فإن اليوم الوطني ليس تاريخًا يعود كل عام فحسب، بل وقفة نتأمل فيها المسافة التي قطعها الوطن، ونستحضر ما تحقق خلالها، ثم ننظر إلى مسؤوليتنا نحن في المسافة القادمة.

فكل جيل يرث وطنًا، لكنه يرث معه أمانة أن يضيف إليه.

ولأن الانتماء لا يكتمل بالشعور وحده، يقول الأمير خالد الفيصل في قصيدته «عشق الوطن»:

«أبا أخدمه بالقلب والعقل والكف
وأبا أكتبه حيٍ ويبقى وأنا ميت»

فحب الوطن يبلغ معناه الأعمق حين يتحول من شعور بالانتماء إلى عمل وعطاء وأثر.

أن نكون امتدادًا لقيم وطننا لا بالشعارات وحدها، بل بإتقان أعمالنا، وتحمل مسؤولياتنا، وخدمة مجتمعنا، ورفع سقف طموحاتنا، وفي الصورة التي نقدم بها وطننا أينما كنا.

فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله عن الوطن في يومه، بل بما نصنعه من أجله في بقية الأيام.

حين ننجز بإخلاص، ونمنح بجود، ونواجه بشجاعة، ونمضي بهمّة، ونحفظ أصالتنا ونحن نتطلع برؤية إلى الغد؛ فإننا لا نحتفي بالوطن فحسب، بل نجعل شيئًا منه حاضرًا فينا.

وحين تصبح قيم الوطن جزءًا من أخلاق أبنائه، لا يعود الوطن مجرد مكان ننتمي إليه…

بل يصبح وطنًا يسكن أطباعنا.

همسة أمل ..

أجمل ما نقدمه لوطننا ألا نكتفي بالفخر بما صنعه السابقون، بل أن نصنع نحن ما يفخر به القادمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى