صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

أصعب ما في بعض المشاعر أنها لا تهدأ حين نكتمها، ولا نطمئن إلى ما قد يحدث إن أفصحنا عنها. فنبقى بين رغبة في أن يسمعنا أحد، وخشية من أن تصل حكايتنا ناقصة إلى من لا يعرف كيف يصغي إليها.

 

نمضي في أيامنا على نحو يبدو مألوفًا؛ نتحدث ونبتسم ونؤدي ما علينا، بينما يستمر في الداخل حديث لم يجد طريقه إلى الكلمات. وقد يتداخل الخوف بالتعب، والحيرة بالأمل، حتى نعجز نحن أنفسنا عن تسمية ما يثقل قلوبنا، فكيف نشرحه لغيرنا؟

 

وقد عبّر تميم بن المعز عن ألم هذه المسافة بين الكتمان والإفصاح بقوله:

 

«لئن كان كتمانُ المصائبِ مؤلمًا
فإعلانُها عندي أشدُّ وآلمُ

 

وبي كلُّ ما يُبكي العيونَ أقلُّه
وإن كنتُ منه دائمًا أتبسّمُ»

 

قد يحتفظ الإنسان بما يؤلمه لأنه يخشى سؤالًا لا يحتمله، أو مواساة لا تلامس حاجته، أو تفسيرًا يختزل تجربته في كلمات قليلة. وربما صمت لأنه لا يزال يحاول فهم ما جرى له قبل أن يرويه لغيره. لهذا لا تكشف الابتسامة دائمًا عمّا يجري خلفها.

 

وتشتدّ الحيرة حين نسير في مرحلة لا نعرف إلى أين تقودنا. تتزاحم الأسئلة، ويضيق اليقين، ونرغب في أن نقول إننا خائفون. ثم نواصل يومنا، لأن مسؤولياتنا لا تنتظر حتى تتضح لنا الطريق. قد يبدو ذلك هدوءًا في أعين الآخرين، بينما نعرف نحن مقدار الجهد الذي بذلناه لنحافظ على توازننا.

 

ولا تقتضي القوة أن نحمل كل شيء وحدنا. من حقنا أن نبحث عمّن نأتمنه على حديثنا، وأن نقول: «أنا متعب» دون أن نُطالب بشرح كل التفاصيل. ومن حقنا أن نمهل أنفسنا وقتًا إذا لم نكن مستعدين للكلام. فالوقت الذي نحتاجه لفهم مشاعرنا ليس ترددًا، كما أن طلب الإصغاء ليس ضعفًا.

 

لعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا يفعل بي صمتي؟ هل يمنحني فرصة لأرتّب ما أشعر به، أم يزيد شعوري بالوحدة؟ وحين أرغب في الكلام، هل أجد من يسمعني دون أن يسارع إلى الحكم أو تقديم إجابة جاهزة؟

 

قد يبدأ البوح بجملة قصيرة، أو بصفحة نكتبها لأنفسنا، أو بحديث هادئ مع من نثق به. وليس علينا أن نروي الحكاية كاملة حتى نستحق أن يُصغى إلينا. يكفي أن نعرف متى يعيننا الصمت على الفهم، ومتى يحين الوقت لنسمح لأحد بأن يشاركنا شيئًا مما نحمل.

 

همسة أمل:
لا تُجبر قلبك على البوح قبل أن يأمن، ولا تتركه يتألم في صمت لا نهاية له. ما تشعر به يستحق أن يجد مساحة يُقابل فيها بالرفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى