.
قد يُطلب من الإنسان أن يثبت مسامحته بالعودة إلى المكان الذي تأذّى فيه؛ أن يستأنف الحديث بألفته القديمة، ويمنح الثقة نفسها، ويتصرف كأن شيئًا لم يحدث. وحين يتردد، يُقال له: لو سامحت حقًا لما بقيت بعيدًا. هكذا يصبح الهدوء الذي استرده بعد عناء موضع اختبار، ويجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن حقه في الطمأنينة.
استمعتُ إلى عبارة: «لا تسامح كل من أثقل عليك روحك». وجدتُ فيها وجع من طال احتماله، وشعر أن تساهله أصبح حقًا مكتسبًا للآخرين. لكنها دفعتني إلى سؤال: هل يمكن أن نسامح من آذانا، دون أن نعيد إليه المكان نفسه في حياتنا؟
ينشأ هذا السؤال من الخلط بين المسامحة واستعادة العلاقة. فحين نتصور أن العفو يقتضي عودة كل شيء إلى سابق عهده، تصبح المسامحة مخيفة؛ إذ تبدو تنازلًا عن الحذر الذي تعلّمناه بثمن مؤلم. أما حين نفصل بين القرارين، فإننا نمنح أنفسنا فرصة للتخفف من الخصومة، دون تجاهل ما تغيّر في العلاقة.
وفي بيت يُنسب إلى الشافعي:
لَمّا عَفَوتُ وَلَم أَحقِد عَلى أَحَدٍ
أَرَحتُ نَفسي مِن هَمِّ العَداواتِ
يلتفت البيت إلى الراحة التي قد يجدها الإنسان حين يعفو. غير أن هذه الراحة لا تأتي بأمر، ولا يصح أن نجعل تأخرها سببًا للوم المتألم. فبعض الجراح تحتاج إلى وقت، وإلى اعتراف بما حدث، قبل أن يصبح تجاوزها ممكنًا. وحين نطالب الإنسان بالمسامحة إرضاءً للآخرين، قد نضيف إلى وجعه عبء إخفائه.
ومن الرفق بالنفس أن نكف عن تصغير ما آلمها. قد يكون الأذى كلمة جارحة، أو خذلانًا متكررًا، أو علاقة جعلت الإنسان يخشى التعبير عن احتياجاته. والاعتراف بأثر التجربة يعينه على فهم ما يحتاج إليه الآن، بدل الانشغال بمحاكمة نفسه على كل موقف صمت فيه.
قد يكتشف أنه خشي خسارة العلاقة، أو اعتاد تقديم الأعذار، أو حمّل نفسه مسؤولية إصلاحها وحده. وتصبح هذه المعرفة نافعة حين تترجم إلى اختيارات واضحة: أن يقول «هذا يؤذيني»، وأن يرفض ما يفوق طاقته، وأن يتوقف عن تقديم تنازلات لا تجد تقديرًا. فالطيبة تستحق وعيًا يصونها، ويمنع استنزافها.
أما الثقة، فتحتاج إلى ما يثبت استحقاقها من جديد. الاعتذار بداية محتملة للإصلاح، ويمنحه السلوك المتغير صدقه. ومن يريد ترميم العلاقة عليه أن يتحمل مسؤولية ما فعل، ويصغي إلى أثره، ويحترم الحدود التي نشأت بعده. عندئذ يمكن للطرفين أن ينظرا في إمكان استعادة القرب، مدركَين أن الرغبة وحدها لا تكفي، وأن بعض العلاقات تستنفذ فرصها رغم بقاء المودة.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول تجربة مؤذية إلى حكم على كل من نلقاه. ففي الحياة من يحسنون رعاية الود، ويقدّرون الوضوح، ويحترمون الاختلاف. يستحق هؤلاء أن نعرفهم بأفعالهم، وأن نمنح علاقاتنا بهم فرصة تنمو بتأنٍّ. هكذا تصبح التجربة بصيرة تعيننا على الاختيار، ويظل في قلوبنا متسع للمحبة.
لعل أجمل ما نبلغه بعد الأذى أن يعود يومنا ملكًا لنا؛ أن نستمتع بحديث دون أن تقاطعه ذكرى، وأن نخطط للغد دون انتظار اعتذار، وأن نجد وقتًا لما أهملناه ونحن منشغلون بما حدث. هناك نستعيد حياتنا شيئًا فشيئًا، وندرك أن التجربة، مهما أثقلت أرواحنا، لا تستحق أن تستأثر بما بقي من أعمارنا.
همسة أمل
ارفق بنفسك؛ فلها أيام تستحق أن تعيشها مطمئنة، وأفراح تستحق أن تستقبلها بقلب حاضر .
امنح ما تحب نصيبًا من وقتك واهتمامك، ودع للتجارب الجديدة فرصة أن تذكّرك بأن في الحياة ما يستحق الإقبال عليه ..






