صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

يدخل الإنسان في نهاية اليوم إلى منزله بجسده، بينما يبقى عقله منشغلاً في مكان آخر. قد يكون في مكتب المدير يعيد جملة قيلت له، أو في محادثة انتهت منذ ساعات يحاول تفسير نبرة تغيّرت، أو في موقف قديم مضى عليه زمن طويل لكنه ما زال حاضراً في الذاكرة وكأنه وقع بالأمس. يمارس حياته اليومية، يجلس مع عائلته، يبتسم ويتحدث، لكنه يخوض داخله معركة صامتة لا يدركها أحد.

وعندما يخلد إلى النوم، يهدأ كل شيء من حوله، بينما يبدأ العقل في إعادة تشغيل ما حدث: لماذا قال ذلك؟ هل أخطأت؟ هل كان يقصد الإساءة؟ ماذا لو تصرفت بطريقة مختلفة؟ وهكذا ينتهي اليوم، لكن المعركة لا تنتهي.

تتمثل المفارقة في أن الحدث قد ينتهي في دقيقة، بينما يمنحه الإنسان ساعات من عمره. قد يرحل شخص من حياته، لكنه يبقى سنوات في ذاكرته. وقد يقول أحدهم كلمة عابرة ثم ينساها، بينما يحملها الإنسان معه إلى العمل والمنزل والنوم. وهنا يصبح السؤال الجوهري: من الذي يؤلمك الآن؟ هل هو الشخص الذي أساء إليك، أم ذاكرتك التي تعيد تشغيل الإساءة؟ هل هو الماضي، أم أنك أنت من يمنحه حياة جديدة كل صباح؟

هذه ليست دعوة إلى تجاهل الألم أو تجميل الخذلان، بل محاولة لفهم الفرق بين الألم الطبيعي والاستنزاف النفسي. فالألم جزء من التجربة الإنسانية، أما الاستنزاف فهو اختيار غير واعٍ، حين يسمح الإنسان للحدث بأن يتحول إلى طريقة عيش.

قد تخذل الحياة الإنسان مرة، لكن لا ضرورة لأن يتكرر الخذلان كل صباح. قد يسيء إليه شخص، لكن لا حاجة لأن تستمر الإساءة بعد رحيله. قد يكسر أحدهم ثقته، لكن ليس من العدل أن تتحول هذه التجربة إلى شك دائم في الآخرين. أخطر ما يفعله بعض الناس ليس أنهم يؤذون ثم يغادرون، بل أن الإنسان يكمل إيذاء نفسه بهم بعد رحيلهم.

السلام الداخلي ليس محاولة لإسكات العالم، بل قدرة على منع ضجيجه من التحول إلى فوضى داخلية. فالعالم لن يصبح كما يريد الإنسان، سيظل هناك المستفز والمتكبر والمتقلب والناكر للجميل. وإذا كان السلام مشروطاً بتغيّر هؤلاء، فإن الإنسان يضع راحته في يد الآخرين، ويجعل مزاجه تابعاً لسلوكهم.

الحرية الداخلية لا تعني غياب الشعور، بل تعني ألا يصبح كل شعور قائداً للسلوك. يمكن للإنسان أن يغضب دون أن يتصرف بغضب، وأن يحزن دون أن يستسلم للحزن، وأن يتألم دون أن يجعل الألم هويته. لا ينبغي لإساءة شخص أن تعيد تشكيل شخصية الإنسان، فالدروس تُؤخذ، أما السم فيُترك.

وتبرز مشكلة أخرى هي التوقعات. إذ ينتظر الإنسان من الآخرين أن يكونوا مثله في الوفاء والصراحة وحفظ المعروف، بينما لكل فرد تربيته وتجربته وحدوده. كثير من الخيبات لا تأتي من سوء الآخرين، بل من توقعات أكبر من قدرتهم على تلبيتها. لذلك يجب خفض التوقعات دون خفض القيم، فالوفاء لا يُلغى لأن أحدهم لم يكن وفياً، والطيبة لا تُترك لأن شخصاً استغلها.

المسامحة لا تعني إعادة الثقة، بل تعني إنهاء الأذى دون إعادة فتح الباب. يمكن للإنسان أن يسامح دون أن يعيد الشخص إلى مكانه السابق، وأن يبتعد دون أن يحمل كراهية، وأن يضع حدوداً دون أن يفقد احترامه للآخرين. الحدود ليست قسوة، بل حماية للسلام الداخلي.

وتأتي المقارنة لتسرق السلام بصمت. إذ يقارن الإنسان كواليس حياته بلقطات منتقاة من حياة الآخرين، فيشعر بالتأخر أو النقص. غير أن لكل إنسان طريقه وتوقيته ومعاركه التي لا تظهر للعلن. لذلك لا ينبغي لصورة على شاشة أن تحدد قيمة الحياة.

كما أن الماضي والمستقبل يسرقان اللحظة الحاضرة، الماضي يقول “لو أنك فعلت”، والمستقبل يقول “ماذا لو حدث”. وبينهما تضيع اللحظة الوحيدة التي يملكها الإنسان فعليًا وهي “الآن”. لا يمكن تغيير الأمس ولا ضمان الغد، لكن يمكن عيش الحاضر بوعي.

العقل إذا تُرك بلا وعي يصنع قصصاً من الفراغ، يفسر الصمت على أنه كراهية، والتأخير على أنه تجاهل، وتغير النبرة على أنه غضب. لذلك يجب التوقف قبل الحكم: هل ما أفكر فيه حقيقة أم تفسير؟ هل يستحق هذا الموقف كل هذه الطاقة؟ هل سيبقى مهماً بعد أسبوع أو سنة؟ هذه الأسئلة لا تحل كل المشكلات، لكنها تمنع الإنسان من صناعة مشكلات إضافية.

النضج ليس في الانتصار في كل نقاش، بل في معرفة ما لا يستحق النقاش. الصمت قد يكون قوة، والابتعاد حكمة، والتجاهل راحة، والمغادرة احتراماً للنفس. ليس كل رأي يستحق رداً، ولا كل إساءة تستحق معركة، ولا كل اختلاف يحتاج إلى إثبات.

حماية المساحة الداخلية ضرورة، ليس كل خبر يستحق الاهتمام، ولا كل شخص يستحق معرفة التفاصيل، ولا كل نقاش يستحق الدخول فيه. فالإنسان يصبح شبيهاً بما يكرر داخله، الغضب يصبح غضباً، والشك يصبح شكاً، والمقارنة تصبح نقصاً، والماضي يصبح سجناً.

السلام الداخلي يبدأ حين يتعلم الإنسان أن يترك ما انتهى، وأن يضع الحدود، وأن يختار معاركه، وأن يحمي نفسه من الاستنزاف. القوة ليست في عدم التأثر، بل في التأثر دون الانكسار، وفي الخروج من التجارب أكثر وعياً لا أكثر قسوة.

وفي نهاية كل يوم، حين يهدأ كل شيء، يبقى سؤال واحد: هل حافظت على سلامي؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فقد ربح الإنسان معركة لا يراها أحد. ومع مرور الوقت، يدرك أن السلام لم يكن بعيداً، بل كان في قدرته على ترك ما انتهى، وفي وعيه بما يستحق وما لا يستحق، وفي إيمانه بأن ما خرج من يده لا يجب أن يبقى في قلبه.

وعندها، مهما بقي العالم مضطرباً، لن يعود قادراً على تحديد ما يحدث في داخلك. ستبقى العواصف، وسيبقى البشر مختلفين، وستبقى الحياة متقلبة، لكن الإنسان سيبقى هو، محتفظاً بقلبه، وبسلامه الداخلي، وبقدرته على العيش دون أن يخسر نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى