محمد البقمي.. رجل المهمة الصعبة

أن تكون متحدثا رسميا لمدينة كجدة سنوات طويلة، فذلك يعني أن تعرف المدينة بطريقة مختلفة. لا من شوارعها وأحيائها ومشروعاتها وحدها، وإنما من الأسئلة التي يطرحها أهلها كل يوم، ومن القضايا التي تخرج فجأة إلى واجهة الرأي العام وتنتظر من يفسرها ويضع المعلومة في مكانها.
محمد عبيد البقمي عرف جدة من هذه الزاوية.
منذ تكليفه متحدثا رسميا لأمانة محافظة جدة عام 2014، مرت أمامه ملفات كثيرة يصعب جمعها تحت عنوان واحد. أمطار وتصريف، رقابة وأسواق، طرق ومشروعات، صحة عامة، مشهد حضري، أحياء، شكاوى، أزمات، ثم تحولات كبيرة عاشتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
وكان الرجل في الجهة التي تصل إليها الأسئلة.
دراسته الأولى كانت في الاتصال بجامعة الملك عبدالعزيز، ثم حملته الدراسة إلى الولايات المتحدة ليعود بدرجة الماجستير في الاتصال والإدارة العامة من جامعة سانت ماريز. ولعل الجمع بين المجالين يفسر شيئا من تجربته اللاحقة؛ فقد عاش الإعلام من داخل الإدارة، وعرف الإدارة من موقع يتطلب التعامل اليومي مع الإعلام.
لم تكن مهمة سهلة دائما.
المتحدث الرسمي يستطيع أن يمر بهدوء في الأيام العادية، غير أن قيمته الحقيقية تظهر عندما تضيق المسافة بين وقوع الحدث ووصول السؤال. وفي العمل البلدي تحديدا، لا يملك المسؤول عن الاتصال رفاهية الابتعاد عن التفاصيل؛ فالناس يرون الطريق والمطعم والحفرة والمطر والمشروع قبل أن يقرأوا البيان الرسمي عنها.
لهذا ارتبط محمد البقمي بالميدان بقدر ارتباطه بمسمى المتحدث.
ومرت السنوات وتغير الإعلام نفسه. الصحيفة التي كانت تنتظر المعلومة حتى موعد الطباعة صارت شاشة يحملها كل إنسان في يده. والصورة التي كان وصولها يحتاج إلى مصور وصحيفة وغرفة تحرير، باتت تصل إلى آلاف الناس قبل أن تعرف الجهة المعنية أنها التقطت.
وظل البقمي في الموقع نفسه تقريبا: بين السؤال والإجابة.
وربما صنعت السنوات الطويلة في هذا الموقع طريقته الخاصة في التعامل مع الإعلام. فلا هو من المتحدثين الذين يبحثون عن الظهور، ولا اختفى خلف المسمى الرسمي. ظهر عندما كانت القضية تحتاج إلى توضيح، وذهب إلى الميدان في ملفات كثيرة، واحتفظ بعلاقة ممتدة مع الصحفيين والإعلاميين الذين عرفوه عبر سنوات العمل.
ثم اتسعت الدائرة.
لم تعد تجربته مرتبطة بالتصريح الصحفي وحده. شارك في أعمال ولجان استشارية أكاديمية وإعلامية، من بينها لجان في جامعة الملك عبدالعزيز وجامعة جدة، وانتقلت خبرته تدريجيا من التعامل مع الخبر إلى مساحة أوسع تتصل بالاتصال المؤسسي وصناعة العلاقة بين المؤسسة والجمهور.
وفي سبتمبر 2026 جاءت محطة جديدة في مسيرته، بعد إعادة تنظيم الاتصال المؤسسي في أمانة محافظة جدة وتكليفه مشرفا عاما على مركز الاتصال المؤسسي، مع استمراره متحدثا رسميا للأمانة.
قد يبدو الانتقال من المتحدث الرسمي إلى الإشراف على مركز الاتصال المؤسسي تغيرا إداريا في مسار طويل، لكنه في حالة محمد البقمي يحمل معنى آخر؛ فالرجل الذي قضى سنوات يتعامل مع السؤال بعد وصوله، انتقل إلى موقع يشرف على منظومة الاتصال بكاملها: كيف تصنع الرسالة، وكيف تصل، وكيف تقدم المدينة نفسها للناس.
ولعل المفارقة أن المسمى اتسع، لكن المكان المهني الذي عرفه فيه الناس لم يتغير كثيرا.

