.

نقرأ أحيانًا كتابًا فنخرج منه بمعلومة جديدة، ونقرأ كتابًا آخر فنخرج منه بسؤال جديد. أما الأثر الأعمق، فهو أن نقرأ فكرة تجعلنا نعيد النظر في أمرٍ كنا نظن أننا نفهمه جيدًا.
هذا ما حدث أثناء قراءة كتاب «قوانين التحرر من الصراع النفسي»، للدكتور يوسف الحسيني إذ توقفت عند فكرة جعلتني أتأمل مفهوم الوعي بصورة مختلفة. لم تكن الفكرة جديدة في جوهرها، لكن الزاوية التي عُرضت بها فتحت بابًا آخر للتأمل: فالوعي ليس مجرد معرفة نكتسبها، ولا ثقافة نضيفها إلى رصيدنا الفكري، بل هو الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والحياة والآخرين.
وحين ينضج هذا الفهم، ندرك أن كثيرًا من المواقف التي تستنزفنا لا تكمن صعوبتها في الحدث وحده، بل في المعنى الذي نمنحه له. فقد يمر شخصان بالتجربة نفسها، فيخرج أحدهما منها أكثر قوة وحكمة، بينما يبقى الآخر عالقًا في الألم. فالتجربة واحدة، لكن أثرها يتشكل وفق ما نتعلمه منها وكيف نقرأها.
ولهذا لا يقاس النضج بعدد السنوات، وإنما بما تضيفه التجارب إلى الإنسان. فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تمنحنا فرصًا لفهم أنفسنا، واكتشاف حدودنا، وإعادة ترتيب أولوياتنا.
ويظهر أثر الوعي أولًا في علاقتنا بأنفسنا؛ فنصبح أكثر قدرة على فهم مشاعرنا دون أن نسمح لها بقيادتنا، ومراجعة أفكارنا دون التسليم بصحتها كلها، والتمييز بين ما يمكن تغييره وما يحتاج إلى تقبل. وبذلك تتراجع مساحة الصراع الداخلي، ويصبح الجهد أكثر توجيهًا نحو ما يستحق.
ثم يمتد هذا النضج إلى علاقتنا بالآخرين. فلا يعود الإنسان يختصر شخصًا في موقف عابر، ولا يصدر حكمًا كاملًا من مشهد ناقص. فلكل إنسان ظروف وتجارب لا تظهر كلها للآخرين. وهذا لا يعني تبرير الخطأ أو إسقاط الحدود، وإنما يعني أن يكون الحكم أكثر عدلًا، ورد الفعل أكثر اتزانًا.
ومن علامات النضج كذلك أن تتسع المسافة بين الشعور والقرار. فليس كل ما نشعر به يحتاج إلى استجابة فورية، وليس كل موقف يستحق المواجهة. أحيانًا يكون التريث أكثر حكمة من الرد، والفهم أعمق من الحكم، والصمت أبلغ من الانفعال.
ويشير فيكتور فرانكل إلى معنى قريب من ذلك حين يؤكد أن الإنسان قد لا يملك القدرة على تغيير ظروفه، لكنه يستطيع أن يختار موقفه تجاهها.
همسة أمل
قد تمر بالحياة مراحل لا تتضح حكمتها في وقتها، وقد تبدو بعض الطرق أشد صعوبة مما توقعنا. لذلك ليس من الحكمة أن نحكم على التجربة وهي في منتصفها؛ فما نراه اليوم خسارة قد يكشف الزمن عن معنى آخر له، وما نظنه نهاية قد يكون بداية لشيء لم نكن نراه.
والوعي لا يجعل الحياة خالية من الصعوبات، لكنه يمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهتها دون أن يفقد اتزانه. فيعرف متى يتمسك، ومتى يتخلى، ومتى يتقبل، ومتى يعيد المحاولة.
فالوعي رحلة لا تنتهي عند معرفة جديدة، بل تستمر كلما نضجت التجربة واتسعت المعرفة بالذات والحياة.
وربما كان أجمل ما في هذه الرحلة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير العالم من حوله كي يشعر بالاختلاف؛ أحيانًا يكفي أن تتغير رؤيته له.
فحين تتسع الرؤية، يصبح ما كان غامضًا أكثر وضوحًا، وما كان مؤلمًا أكثر قابلية للفهم، وما كان يبدو نهاية… مجرد فصل لبداية جديدة






