مقالات
.

استمعتُ ذات مرة إلى أحدهم وهو يروي موقفًا جمعه بشخص كانت تربطه به يومًا علاقة وثيقة، قبل أن تفترق بهما الطرق. لم تستوقفني أسباب الفراق ولا تفاصيل ما حدث بينهما، بقدر ما استوقفتني جملة قالها وهو يصف لقاءهما بعد زمن:
«تحدثنا وكأننا لم نلتقِ من قبل.»
ظلّت العبارة عالقة في ذهني؛ كيف يمكن لشخص كان يومًا قريبًا إلى هذا الحد أن يصبح حضوره عاديًا؟ وكيف تختفي، في لحظة واحدة، كل الكلمات التي ظننا طويلًا أننا سنقولها إن حدث اللقاء؟
ربما لأن بعض اللقاءات لا تعيد الماضي كما نتوقع، بل تكشف لنا مقدار ما تغيّر في داخلنا.
قد نلتقي بمن كانت تربطنا به يومًا علاقة وطيدة؛ صديقًا، أو شريك حياة، أو إنسانًا تقاسمنا معه مرحلة من العمر، ثم لم يُقدّر للطريق أن يكتمل بنا معًا.
نجلس أمامه، نتبادل الحديث، نسأل ونجيب، وربما نبتسم لموقف عابر، بينما نراقب المشهد بدهشة صامتة: كيف أصبح هذا اللقاء هادئًا إلى هذا الحد، بعدما كان مجرد التفكير فيه قادرًا على إيقاظ الكثير؟
لا عتاب يتزاحم على اللسان، ولا أسئلة تلحّ طلبًا للإجابة، ولا رغبة في استعادة ما مضى. حتى التفاصيل التي كانت يومًا قادرة على تحريك شيء عميق فينا تمر هذه المرة دون أن توقظ ما كان.
ليس لأننا نسينا؛ فالذاكرة لا تمحو بسهولة من عبروا حياتنا بعمق. ولكن الزمن لا يغيّر الأيام وحدها، بل يعيد ترتيب الأشخاص والأشياء في داخلنا أيضًا.
فننظر إلى الشخص ذاته، بالصوت الذي نعرفه والملامح التي ألفناها، ولا نجد الشعور ذاته.
وهنا ندرك أن الذي تغيّر لم يكن هو وحده، بل مكانه في داخلنا.
ولعل هذا ما يجعل بعض اللقاءات بعد الفراق كاشفة؛ فنحن لا نكتشف فيها الآخر بقدر ما نكتشف أنفسنا. نرى المسافة التي قطعناها دون أن نشعر، والأشياء التي هدأت، والأسئلة التي كانت تؤرقنا ثم فقدت حاجتها إلى الإجابة.
وليس في ذلك جحود لما كان، ولا إنكار لقيمة الأيام. فقد تكون العلاقة صادقة في زمنها، عميقة في أثرها، ثم تنتهي. فليس كل ما كان جميلًا مقدّرًا له أن يدوم، وليس انتهاء الشعور دليلًا على أن بدايته لم تكن حقيقية.
ربما يكون النضج في أن نمنح الأشياء قدرها، دون أن نمنحها عمرًا أطول من عمرها.
أن نحفظ للذكريات مكانها، دون أن نسكن فيها.
وأن ندرك أن الأثر شيء، والرغبة في العودة شيء آخر.
ولعل أجمل ما يمكن أن يبقى بعد بعض العلاقات هو السلام؛ ألا نحمل ضغينة، ولا ننتظر اعتذارًا، ولا نستنزف أنفسنا في محاكمة ما انتهى. أن يصبح الماضي حكاية نعرفها، ونحترم ما كان فيها، دون أن نشعر بالحاجة إلى العودة إليها.
ولهذا قد تأتي بعض اللقاءات المتأخرة لا لتعيد الحكاية، بل لتكشف لنا أنها انتهت فعلًا.
نلتقي، نتحدث، ثم نفترق بهدوء.
وفي طريق العودة ندرك أن من كان يومًا يحتل مساحة كبيرة في أرواحنا أصبح ذكرى نستطيع المرور بها دون أن تستوقفنا.
عندها نفهم أن بعض النهايات لا نعرف أنها اكتملت يوم نفترق، بل نكتشف اكتمالها حين نلتقي من جديد… فلا يعود في داخلنا شيء يريد العودة.
همسة أمل
بعض اللقاءات لا تعيد إلينا من رحلوا، بل تعيدنا إلى أنفسنا؛ لنكتشف كم تغيّرنا، وكم هدأ في داخلنا ما ظنناه يومًا لن يهدأ… حتى أصبح اللقاء كأننا لم نلتقِ من قبل ….






