صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
f X
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

لكلٍّ منا رحلته الخاصة، وحقائبه التي يمضي بها في طرق الحياة؛ حقائب امتلأت بمقتنيات ثمينة، وأخرى عتيقة، وأشياء قديمة لا تكمن قيمتها في ثمنها، بل فيما تحمله من عبق الذكرى وأثر الأيام.

فبعض ما نحتفظ به قد لا يساوي في أعين الآخرين شيئًا، بينما يحمل في داخلنا عمرًا كاملًا؛ رسالة بهت حبرها، صورة مرّ عليها الزمن، هدية صغيرة، كتاب يحمل إهداءً قديمًا، أو شيء عابر ارتبط بمرحلة لا تزال تفاصيلها حاضرة في الذاكرة.

نحن لا نحتفظ بالأشياء دائمًا لأنها ثمينة، بل لأن بعضها أصبح خيطًا يصل حاضرنا بماضٍ بعيد. نلمسها فتعود إلينا أماكن وأصوات ووجوه، وربما نسخة قديمة من أنفسنا لم تعد موجودة إلا في تلك التفاصيل.

لكن حقائبنا لم تمتلئ بالذكريات وحدها.

فيها أيضًا مسؤوليات وأمانات ووعود؛ أشياء كان واجبًا علينا أن نحملها ونؤدي حقها، وأخرى حملناها رغم أنها لم تكن لنا منذ البداية. وبين هذا وذاك، مضى بعضنا في الطريق بأثقال تفوق قدرته، معتقدًا أن الوفاء يعني أن يتحمل دائمًا، وأن المسؤولية تعني ألا يضع شيئًا من يده مهما أثقله.

منا من ظل حريصًا على إيصال الأمانة، يخشى أن يقصّر فيما اؤتمن عليه، فحمل مسؤوليته حتى النهاية. ومنا من اختار ما يريد دون أن يفكر في تبعات اختياره، ثم ترك لغيره مسؤولية ما بدأه ومضى، كأن الطريق سيجد دائمًا من يجمع ما تركه خلفه.

وهكذا لا تتشابه الحقائب، حتى وإن تشابهت الطرق.

فليس كل ما نحمله مسؤوليتنا، وليس كل ما يضعه الآخرون في حقائبنا واجبًا علينا أن نكمل به الطريق. وقد نقضي أعوامًا نحمل أعباءً لم يسأل أصحابها يومًا كيف أثقلت خطونا، لأنهم اعتادوا أن يجدوا من يحمل عنهم، بينما اعتدنا نحن أن نكمل بصمت.

وهنا يصبح السؤال ضروريًا:

ما الذي يخصنا فعلًا؟
ما الأمانة التي يجب أن نصونها؟
وما العبء الذي حملناه طويلًا فقط لأن صاحبه اختار أن يتخلى عنه؟

فالفرق كبير بين أن تؤدي أمانة، وأن تعيش حاملًا مسؤوليات الآخرين؛ وبين الوفاء الذي يسمو بالإنسان، والاستنزاف الذي يجعله يدفع ثمن اختيارات لم تكن اختياراته.

ومع مرور السنوات، نتعلم أن بعض ما في حقائبنا يستحق أن يبقى؛ ذكرى تمنح القلب دفئًا، وتجربة صنعت وعينا، وموقفًا غيّرنا، ودرسًا جعل خطوتنا التالية أكثر نضجًا، وأمانة أديناها كما ينبغي.

وفي المقابل، هناك أشياء انتهى دورها، وأخرى لم تكن لنا أصلًا، وأثقال ظننا طويلًا أن وضعها جانبًا تقصير، حتى أدركنا أن الإنسان لا يصبح أكثر وفاءً كلما أثقل نفسه.

ولعل الحكمة في نهاية الأمر ليست في أن نصل بحقائب ممتلئة، ولا في أن نثبت قدرتنا على حمل المزيد، بل في أن نعرف ماذا يستحق أن يصل معنا، وماذا ينبغي أن نتركه في محطته دون شعور بالذنب.

فنحن لا نحمل في حقائب العمر أشياء فقط؛ نحمل ذكريات، وأمانات، ومسؤوليات، وتجارب، وأثر أشخاص مرّوا بنا، ونسخًا قديمة من أنفسنا.

لكن ليست كل الحقائب لنا، وليست كل الأثقال أمانات.

وحين نعرف الفرق بينهما، يصبح الطريق أخف… دون أن نصبح أقل وفاءً.

همسة أمل

في رحلة العمر، لا تُقاس قوتنا بكثرة ما نستطيع حمله، ولا وفاؤنا بعدد الأثقال التي أبقيناها على أكتافنا. أحيانًا تكون القوة في أن نعرف حدود مسؤوليتنا، وأن نؤدي ما علينا بصدق، ثم نترك لكل إنسان نصيبه مما اختار وما صنع.

احتفظوا في حقائبكم بما يستحق أن يرافقكم؛ بذكرى تمنح القلب دفئًا، وتجربة أضافت إلى وعيكم، وأمانة تستحق الوفاء، ودرس جعل خطواتكم أكثر بصيرة. أما ما لم يكن لكم، وما حملتموه طويلًا نيابةً عن الآخرين، فلا تجعلوا وضعه جانبًا ذنبًا يلاحقكم.

ليس كل ما تركه الآخرون خلفهم علينا أن نحمله، وليس كل ما استطعنا حمله يعني أنه كان واجبًا علينا.

فلكل إنسان حقيبته، ولكل اختيار مسؤوليته، وبعض الأشياء يكفي أنها كانت يومًا جزءًا من الرحلة.

وفي نهايتها، ربما لن يكون السؤال: كم حملنا؟

بل: هل عرفنا ما الذي كان يستحق أن نحمله معنا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى