.

حين كنا صغارًا، كنا نجلس أمام آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، نحكي بحماس عن تفاصيل أيامنا، نغضب من أشياء نراها كبيرة، ونفرح بأخرى كأنها أجمل ما يمكن أن تمنحنا الحياة. وكانوا يستمعون إلينا بنظرة هادئة وابتسامة خفيفة، نراها ولا نفهم ما وراءها.
كنا نتساءل: لماذا نختلف عنهم في ردود أفعالنا؟ كيف يقابلون بهذا السكون ما يثير فينا كل ذلك الانفعال؟ نظن أن الأمر مجرد فارق في العمر، ولا ندرك أن بيننا وبين هدوئهم سنوات من الحياة لم نعشها بعد.
كبرنا، وبدأت الإجابات تصل إلينا تباعًا.
أدركنا أن ابتسامتهم ربما حملت ذكرى موقف يشبه موقفنا، وأنهم كانوا يرون، خلف ما نحكيه، امتدادًا لا تسمح لنا قلة التجربة برؤيته. يعرفون أن بعض ما أبكانا سيخف، وأن ما ظنناه نهاية قد يفتح أمامنا طريقًا آخر، وأن أمورًا بدت مصيرية ستأخذ مع الوقت حجمها الحقيقي.
لم يكن في وسعهم أن يمنحونا خبرة أعوام بكلمات قليلة، لكن حضورهم كان يمنحنا الطمأنينة ونحن نحاول ترتيب مشاعرنا وفهم ما يحدث لنا.
وحين كبرنا، بدأنا نقرأ وجوههم بطريقة مختلفة.
صار لكل خط على ملامحهم معنى لم ننتبه إليه من قبل؛ وراءه انتظار طال، أو مسؤولية أثقلت أيامهم، أو فقد ترك مكانًا لا يملؤه أحد، أو فرح بقي أثره بعد انقضاء مناسبته. رأينا في تلك الملامح آثار حياة كاملة، لم نعرف منها إلا ما ظهر لنا.
كانت وجوههم، دون أن ندرك، سيرة أخرى لحياتهم.
وربما كان أكثر ما غاب عنا في طفولتنا أنهم عاشوا أيامًا لم نكن طرفًا فيها، وحملوا مخاوف لم يطلعونا عليها، واتخذوا قرارات لم نعرف كم كلّفتهم. عرفناهم آباء وأمهات وأجدادًا، ثم احتجنا إلى سنوات لنراهم بشرًا لهم أحلامهم واحتياجاتهم، وما تمنّوه وما تعذّر عليهم. ولعل بعض ما حسبناه قوة لا تتعب كان جهدًا بذلوه ليمنحونا شعورًا بالأمان.
فالسنوات لا تعبر الإنسان دون أثر. بعض التجارب توسّع نظرته، وبعضها تعلّمه التمهّل قبل الحكم، وتكشف له أن للموقف وجوهًا لا تظهر كلها من النظرة الأولى. ومع الوقت، قد يصبح أقدر على التمييز بين ما يحتاج إلى مواجهة، وما يكفي أن يمنحه فرصة ليهدأ.
ومع ذلك، فإن كبر السن وحده لا يصنع الحكمة؛ فالعمر يمنحنا التجارب، أما الحكمة فتتشكّل مما نفهمه منها. قد تزيد السنوات إنسانًا بصيرة ورفقًا، وقد تزيد آخر تمسكًا بأخطائه. تظهر قيمة ما عشناه في قدرتنا على مراجعة أنفسنا، وتصحيح أحكامنا، وتغيير ما أدركنا أنه يؤذينا أو يؤذي من حولنا.
لهذا نفهم اليوم شيئًا من هدوء من سبقونا. ربما لم تكن الحياة أرحم بهم، لكن تقلباتها علّمتهم أن الغضب قد يهدأ ويبقى أثر الكلمة، وأن الحفاظ على المودة يحتاج أحيانًا إلى سعة صدر، وأن الإنسان يستطيع أن يدافع عن حقه دون أن يجعل كل اختلاف معركة تستنزفه.
ثم بدأنا نلحظ شيئًا مألوفًا في أنفسنا.
أصبحنا نستمع إلى أبنائنا وهم يحكون بحماس عن تفاصيل أيامهم، فنرى في انفعالهم شيئًا من طفولتنا. يقلقون من أمر مررنا بمثله، أو يحزنون على موقف نعرف أن الأيام قد تغيّر نظرتهم إليه، فتظهر على وجوهنا تلك الابتسامة التي حيّرتنا يومًا.
نريد أن نقول لهم الكثير، ثم نتريّث. فمعرفتنا بأن الألم سيمر لا تجعل وقعه عليهم أخف في لحظته، وما يبدو صغيرًا في ميزان خبرتنا قد يشغل عالمهم كله. هنا يصبح النضج مسؤولية؛ أن نساندهم بما نعرف، دون أن نستصغر مشاعرهم أو نحملهم على رؤية الأشياء بعيوننا، وأن نترك لهم فرصة السؤال والاختيار والتعلّم.
وحين نعود بذاكرتنا إلى وجوه آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا، تتسع محبتنا لهم بما أصبحنا نفهمه. نتذكر جلسة عادية، أو سؤالًا بسيطًا، أو ابتسامة عابرة، فنجد في التفاصيل التي مضت دون انتباه معنى جديدًا. وقد نتمنى لو سألناهم أكثر عن حياتهم، وعن الأحلام التي رافقتهم قبل أن ننشغل نحن بأحلامنا.
وربما يجلس أبناؤنا أمامنا يومًا، يتأملون هدوءنا ويتساءلون كما تساءلنا: ما سر هذه النظرة؟ ولماذا يبتسمون هكذا؟
عندها ندرك أن الحياة أعادت المشهد، وأن الأدوار تبدّلت. أصبحنا في المكان الذي وقف فيه من سبقونا، نحمل على ملامحنا شيئًا من حكاياتنا، ونفهم أخيرًا تلك النظرات التي احتجنا عمرًا لنقرأها.
همسة أمل ..
إن بقي في حياتك وجه تحبّه وكتبت عليه السنوات أثرها، فاقترب منه واسأل عن حكاياته. امنحه من الإصغاء ما منحك، وتأمّل الإنسان الذي عاش خلف الدور الذي عرفته به؛ فبعض الأسئلة نؤجلها ظنًا أن الوقت يتسع، ثم تبقى معنا حين لا يبقى من يجيب عنها.





