.

“لستُ بصدد الحديث عن مناصب وسيرة معالي الدكتور راشد بن راجح الشريف – رحمه الله – وخدمته في هذه الدولة الفتية، وإنما أجد نفسي مدفوعاً بوفاء الصحبة للحديث عن شخصه الإنساني الفريد الذي جمع رفعة المكان مع سمى الأخلاق وأصالة العلم وإنسانية التعامل فاستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرة كل من عرفه الناس مسؤولاً بارزاً أسهم في خدمة وطنه، لكن من اقترب منه أدرك إنسانيته العميقة وتواضعه وكرمه الذي كان يفيض بسلوكياته اليومية، كان كريم النفس قبل أن يكون كريم اليد، يساعد المحتاجين ويتفقد أحوال من حوله دون أن يشعرهم بالحرج، مجلسه كان عامراً بالبشاشة وحسن الاستقبال، يوقر الكبير ويشجع الصغير ويحتفى بالعلماء وطلاب العلم
ورغم مكانته العلمية والإدارية الرفيعة بقي بسيطاً قريباً من الناس، يجلس معهم ويتحدث إليهم ويمازحهم بأدب. هيبته نابعة من أخلاقه لا من مظاهر رسمية. وكان علمه جسراً للتقرب من الناس لا وسيلة للتعالي فاجتمع له النصيب من العالم وحكمة المربي وأدب الإنسان في مجلس ينتفع به الحاضرون قبل السائلون
جمع بين الفقه الشرعي واللغة العربية وسعة الاطلاع. إذا سُئل عن مسألة فقهية أجاب بثقة العالم ودقة الباحث ووضوح المعلم، ذائقته الأدبية رفيعة تظهر في أحاديثه وكتاباته النثرية، وقلة من يعرفونه أنه يكتب الشعر، وكأنه يتمثل في قول الإمام الشافعي رحمه الله «ولولا الشعر بالعلماء يزري، لكنت اليوم أشعر من لبيد» اجتمع فيه رسوخ العالم وحكمة الإداري وذائقة الأديب وتواضع الإنسان ونبل الأخلاق.
ومن شواهد نبل شخصية معاليه، وعظيم برّها، قصةٌ تُروى بلسان الفخر والامتنان؛ فقد كان رغم مشاغله الكثيرة وبعد المسافة بين صخب المدينة وهدوء القرية، يقطع الدروب وصلاً لوالدته البرّة (رحمها الله). وفي أول عهده بالمسؤولية والإدارة، لم يلتفت لزهو المنصب الجديد، بل طار بأول راتبٍ تقاضاه، وكان مبلغاً وفيراً يتجاوز العشرين ألف ريال، ليضعه كاملاً بين يديها قائلاً بلسان الابن البار: خذي منه ما تريدين يا أمي، وما تبقى سآخذه بعد رحيلي، ولم تكن الأم الكبيرة في السن تميز فئات العملة النقدية، فكان أهل القرية يتوافدون عليها، فما بخلت وما ردت سائلاً، وكانت تجود عليهم بورقةٍ من فئة الخمسمائة ريال تلو الأخرى ظناً منها أنها من فئات العملات المتوسطة ، حتى لم يتبقَ معها في نهاية اليوم سوى أقل من ألفين ريال ! وحين عاد وسألها عمّا صنعت، قالت بعفوية الأمهات: هذا ما بقي لدي، وتبسم حين أخبرها أن المبلغ كان يربو على أكثر من العشرين ألفاً، ولم يزد على أن قال برضا الواثق بالله: فداكِ يا أمي، طالما كانت نيتكِ لوجه الله، فدعت له بدعاء الأمهات المستجاب: ربي يعوضك أضعاف ما صَرَفت، ولم تتأخر الإجابة الإلهية؛ فما هي إلا فترة وجيزة حتى جاءه مشترٍ لأرضٍ كان قد ملكها أقل من مائتين ألف ريال، ليدفع له فيها مليون ريال دفعة واحدة! ليتجلى للعيان كيف أثمر بر الأم وعفو الصدر نماءً وبركةً، وضاعف الله له الأجر والمال أضعافاً مضاعفة.” وبين مجد العلم ونبل الأخلاق، ورقي الأدب وحزم الإدارة، ويتوج ذلك كله شرف النسب.
هذا الجمع الاستثنائي بين المتعة، والبساطة، وتنوع الحديث يعكس تماماً شخصيته الفريدة التي تأسر القلوب وتترك أثراً لا يمحوه الزمن إنه راشد الراجح الإنسان قبل المسؤول.
مناصبه صنعت له حضور في صفحات التاريخ، لكن أخلاقه صنعت له مكان في قلوب الناس.
الكتابة عن شخصية بهذه الشمولية تشبه محاولة حصر البحر في كأس، لأنك لا تدري أي جوانبها تضيء،
أعتز وأفتخر كثيراً بفترة عملي تحت إدارة معاليه في نادي مكة المكرمة الثقافي الأدبي؛ هذا الصرح الثقافي العريق. وقد توّج هذا العمل بشرف صحبته ومرافقته في مناسبات ومحاضرات متعددة، تركت في حياتي بصمة معرفية وإنسانية جميلة، وتجربة ثرية لا يمحوها الزمن.
رحم الله معالي الدكتور راشد، رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء، وجعل ما قدمه لدينه ووطنه وأمته في ميزان حسناته، وترك له ذكرى طيبة خالدة تُذكر بكل حب ودعاء.






