صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

ينتاب الوسط الثقافي اليوم طيفٌ من قلقٍ متزايد، حتى ذهب بعض سدنة الحرف، تحت وطأة الخوف على مصير الكلمة، إلى نعي الحراك الأدبي والادعاء بأنه أُلقي في غيابات الجُبّ، غير أن نظرة فاحصة على مجريات الواقع تؤكد أن هذا الوجل ليس سوى هاجس عابر؛ فالأدب طاقة سرمدية حية لا تموت، والنهر الإبداعي لا يزال متدفقاً بثرائه، وإن خُيّل للواقفين على ضفافه جفافه.

إن الأزمة الحقيقية التي نرقب فصولها اليوم لا تكمن في شحّ المتن المعرفي أو أفول روح الإبداع، بل هي في جوهرها “أزمة قنوات وسواقٍ”. لقد تبدلت قشرة الزمن وتحولت أردية العصر، وبقيت مسارات وصول الإبداع إلى شغاف القلوب والعقول رهينة أدوات تقليدية تجاوزها القطار؛ هذا الجمود المرير حرم النتاج الأدبي من استراتيجيات حية ونابضة، كفيلة بأن تمنح الكلمة زخمها الحقيقي، وتفتح لها آفاق الانتشار الجماهيري الأرحب في عصر التحولات الكبرى المتسارعة.

بالأمس القريب، كان الحراك الثقافي في ساحتنا الأدبية يعيش أزهى عهود عطائه النضير، ويموج بحيوية بالغة تشق طريقها عبر قنوات شتى. فقد كانت الصحف والمجلات السعودية الورقية، بملاحقها الثقافية العريقة، مناراتٍ تضيء دياجير المشهد، يحرص عليها قامات مخضرمة امتلكت بصيرة نقدية ثاقبة. كان أولئك الرعاة الأوائل يتعهدون النصوص البديعة بالرعاية الحانية، وينتخبون الأقلام المبدعة بعناية فائقة، سواء في عوالم السرد والقصة، أو في رياض الشعر بفنونه وألوانه الشجية. ووسط هذا المناخ الخصب، حظي الإبداع ببيئة نقية شقّت فيها المواهب طريقها نحو نقدٍ بناء يـقوّم المسار ويثري الفكر والعقل معًا.

وفي زاوية أخرى من ذلك الزمن الجميل، كان للمساجلات الأدبية رونقها الخاص وسحرها الأخّاذ في صحافتنا؛ إذ تبارى كبار الأدباء في ميادين الطرح العقلاني والتحاور الرفيع، فكانت كلماتهم تتدفق كشلالات من نور وعمق. كان المتابع لتلك السجالات يعيش لحظات من التشويق الآسر، يترقب الردود بشوق جارف واهتمام بليغ، حيث يتحول النقد على أيديهم إلى فن، والخصومة الفكرية إلى سموّ أخلاقي يغذّي الروح
ولم تكن الإذاعة والتلفزة السعودية بمعزل عن هذا الألق، بل كانت شريكاً أصيلاً في إثراء الساحة من خلال لقاءاتها العميقة مع أصحاب الفكر والأدب، لتنقل أطروحاتهم النيرة إلى كل بيت.

وعلى الضفة الأخرى من ذلك المشهد، كانت الأندية الأدبية هي الشحرور المغرد خارج السرب، والمتفردة بلا منازع في فضاء الساحة الثقافية للمملكة. فمنذ أن أشرقت شمسها قبل أكثر من أربعة عقود، وهي تمسك بزمام الأثر وتصنع فارقاً حقيقياً في وجدان المجتمع. لقد نُهضت هذه الصروح الشامخة على أكتاف رواد الجيل الأول من جهابذة الأدب، الذين حملوا مشاعل التنوير وأثروا العقول بعطائهم الفذ وفي كنفهم، حلّقت الأندية في سماء الريادة، فغدت حواضن معرفية تشعّ وعياً عبر محاضرات تلهم الفكر، وندوات تثري الحوار، وطباعة كتبٍ خلدت إرثاً عصياً على النسيان.

إن ما يفتقده مشهدنا الثقافي اليوم ليس ندرة في الينابيع أو شحّاً في المواهب، بل غياب السواقي الذكية والمصبات المنظمة التي تحتضن هذا الدفق الإبداعي الهائل. إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى “مأسسة” هذا الألق، وتسييجه بإطار تنظيمي حديث يمنحه الهيبة والامتداد، من خلال قبة إشرافية ملهمة وعين راعية تلم شتات الحروف المبعثرة في فضاءات العصر الرقمي.

وإنك لتلمح هذا المخاض جلياً في دهاليز معارض الكتب المعاصرة، حيث تتدفق سيول من الإصدارات التي تموج بالغث والسمين. هناك، تحت بريق الأضواء، تحولت بعض دور النشر إلى حوانيت للتكسب العابر؛ تستدرج الورق وتستغل شغف النشر دون رقيب يزن جوهر النص، أو ناقد يقيم رصانة الفكرة، ليمسي الكتاب أحياناً سلعة تجارية تُعنى بالكمّ على حساب الكيف، وتفتقر إلى الأصالة الأدبية التي تنمي الوعي وتصون الذائقة.
لقد حان الوقت لتفعيل قنوات رسمية مبتكرة، قادرة على تحويل الشغف الفردي إلى تيار حضاري جارف، وإعادة الهيبة للمتن الأدبي ليتحدث بلغة العصر الجديد، ويصافح عقول وقلوب الجيل الحالي في أبهى تجليات عطائه الإبداعي المتجدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى