خواجة يني».. حين تتحول جدة إلى رواية

تمثل رواية «خواجة يني» آخر الأعمال الروائية للأديب السعودي محمد صادق دياب، وهي عمل أدبي يحمل قيمة تاريخية وإنسانية خاصة، إذ صدرت بعد رحيل مؤلفها لتكون بمثابة رسالة وداع أخيرة منه إلى مدينة جدة التي أحبها وكتب عنها طوال مسيرته الثقافية.
تدور أحداث الرواية حول شخصية «الخواجة يني»، وهو تاجر يوناني عاش في جدة القديمة وارتبط بأهلها وعاداتهم وتقاليدهم حتى أصبح جزءًا من نسيجها الاجتماعي. ومن خلال هذه الشخصية يستعيد الكاتب ملامح جدة في القرن التاسع عشر، عندما كانت المدينة ميناءً عالميًا نابضًا بالحياة، تستقبل التجار والحجاج والمسافرين من مختلف الجنسيات والثقافات.
ولا تقتصر أهمية الرواية على الجانب السردي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى توثيق جانب مهم من الحياة الاجتماعية في جدة التاريخية، حيث يرسم محمد صادق دياب صورة دقيقة لعلاقات الناس وأساليب معيشتهم وقيمهم الإنسانية. كما تبرز الرواية الطابع المتنوع للمدينة وقدرتها على استيعاب الثقافات المختلفة والتعايش معها، وهو ما شكل جزءًا أصيلًا من هوية جدة عبر تاريخها الطويل.
ومن أبرز ما يميز «خواجة يني» أنها تمزج بين الأدب والتاريخ؛ فهي ليست رواية خيالية خالصة، بل تستند إلى شخصية حقيقية اشتهرت في ذاكرة جدة القديمة، مما يمنح الأحداث صدقية خاصة ويجعل القارئ يشعر بأنه يتجول بين أزقة المدينة وأسواقها وبيوتها العتيقة.
وقد استغرق محمد صادق دياب نحو خمس سنوات في كتابة الرواية، وكان حريصًا على إنجازها وإخراجها إلى النور، إلا أن القدر لم يمهله لرؤية صدورها. وبعد نشرها عام 2015م لاقت اهتمامًا واسعًا وإقبالًا كبيرًا من القراء والمهتمين بتاريخ جدة وتراثها الثقافي.
إن «خواجة يني» ليست مجرد رواية عن شخصية أو فترة زمنية معينة، بل هي نافذة تطل على تاريخ جدة الاجتماعي والإنساني، وتوثيق أدبي لمدينة عرفت بالتسامح والانفتاح والتنوع. ولذلك تبقى الرواية واحدة من الأعمال المهمة التي تستحق القراءة لكل من يرغب في التعرف على ذاكرة جدة القديمة واستكشاف حكاياتها التي صنعت ملامحها عبر الأجيال.
رحم الله الأديب محمد صادق دياب، فقد ترك في هذه الرواية شهادة أدبية جميلة على عشق المكان ووفائه لتاريخ مدينة كانت دائمًا حاضرة في وجدانه وكتاباته
ولا يفوتنا الإشادة بالجهود التي بذلتها ابنة الأديب الراحل، الأستاذة سماح محمد صادق دياب، وإخوتها الكرام، الذين حرصوا على إخراج هذا العمل الأدبي إلى النور بعد رحيل والدهم. فقد كان لاهتمامهم ومتابعتهم دور مهم في حفظ هذا الإرث الثقافي وإتاحته للقراء والمهتمين بتاريخ جدة وأدبها. ويُعد نجاح الرواية ووصولها إلى جمهور واسع امتدادًا لوفائهم لذكرى والدهم وإيمانهم بقيمة ما تركه من نتاج أدبي يستحق أن يبقى حاضرًا في المشهد الثقافي السعودي.





