صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

كن انتقائيًا.. فالعمر لا يتسع لكل شيء

في زمنٍ تمضي فيه الأيام بوتيرةٍ متسارعة، وتتزاحم حولنا الخيارات والأصوات والوجوه، يصبح السؤال الأهم: هل كل ما يعبر حياتنا يستحق أن يأخذ جزءًا منا؟

 

نمنح أشياء كثيرة من وقتنا دون أن نشعر، ونسمح لأفكارٍ عابرة أن تستقر في عقولنا، ولكلمات الآخرين أن تؤثر في نظرتنا لأنفسنا، وندخل علاقات قد لا تشبهنا، ونخوض نقاشات ومعارك لا تستحق شيئًا من طاقتنا، ثم نتساءل في نهاية اليوم: أين مضى كل هذا العمر؟

 

الحقيقة أن الحياة أقصر من أن تتسع لكل شيء، والعمر أثمن من أن نوزعه بلا وعي على كل ما يطرق أبوابنا.

 

لذلك، كن انتقائيًا في كل ما يليق بك.

 

انتقِ أفكارك؛ لأنها البذور الأولى التي تنمو منها قناعاتك، ومنها تتشكل نظرتك إلى نفسك وإلى الحياة. ليس كل ما تسمعه حقيقة، ولا كل رأي يستحق أن يتحول إلى قناعة، ولا كل فكرة عابرة ينبغي أن تمنحها مساحة في عقلك.

 

وانتقِ مفرداتك؛ فالكلمات مرآة أصحابها، وما يخرج منك لا يعكس أسلوب حديثك فحسب، بل يكشف شيئًا من وعيك وقيمك. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. فالكلمة مسؤولية، وقد تكون بابًا يُفتح في قلب إنسان، أو جرحًا يبقى أثره طويلًا.

 

وانتقِ علاقاتك؛ فليس كل من اقترب منك يستحق أن يعرف تفاصيلك، وليس كل من رافقك في مرحلةٍ يصلح أن يكمل معك الطريق. هناك علاقات تمنحك الأمان وتعينك على أن تصبح نسخةً أفضل من نفسك، وأخرى تستنزفك حتى تنسى من كنت قبلها. والنضج أن تعرف الفرق بينهما، وأن تدرك أن الاحترام يمكن أن يبقى حتى حين تختار المسافة.

 

كن انتقائيًا أيضًا في وقتك؛ فهو الجزء الوحيد من حياتك الذي إذا منحته لشيءٍ لن تستطيع استعادته. لا تمنح ساعاتك لما لا يضيف إليك، ولا تؤجل ما تحب من أجل ما لا يستحق، ولا تجعل ضجيج الآخرين يسرق منك هدوء أيامك.

 

وانتقِ معاركك؛ فليس كل خلاف يحتاج إلى رد، ولا كل إساءة تستحق المواجهة، ولا كل سوء فهم يتطلب منك شرحًا طويلًا. أحيانًا يكون أكثر القرارات حكمة أن تمضي، لأن سلامك الداخلي أثمن من انتصارٍ مؤقت في معركة لم يكن عليك دخولها من الأساس.

 

فليس النضج أن تتسع حياتك لكل شيء، بل أن تضيق اختياراتك حتى لا يبقى فيها إلا ما يشبهك ويليق بك.

 

فالانتقائية ليست غرورًا، وليست قسوة أو انعزالًا عن الآخرين، بل هي درجة من الوعي يصل إليها الإنسان حين يعرف قيمة نفسه وقيمة عمره. حينها لا يعود يبحث عن كثرة الأشياء، بل عن جودتها، ولا عن كثرة العلاقات، بل عن صدقها، ولا عن الحضور في كل مكان، بل عن المكان الذي يشبهه ويليق به.

 

همسة أمل …

 

كلما نضجت، ستدرك أن بعض أبواب الحياة لا تحتاج منك أن تطرقها، وبعض الطرق لا تستحق أن تسلكها، وبعض الأشخاص يكفي أن تتمنى لهم الخير من بعيد. لا تخشَ أن تصبح أكثر انتقائية؛ فأنت لا تستبعد الحياة، بل تختار منها ما يحفظ قلبك، ويرتقي بفكرك، ويضيف إلى روحك، ويليق بالإنسان الذي أصبحت عليه.

 

ومع مرور السنوات، نكتشف أن جودة الحياة لم تكن يومًا في كثرة ما جمعناه حولنا، بل في قدرتنا على معرفة ما يستحق أن يبقى وما ينبغي أن نتركه يمضي.

 

فاختر أفكارك كما تختار طريقك، وانتقِ كلماتك كما تنتقي أثمن ما تملك، واختر علاقاتك كما تختار رفقاء رحلةٍ لا تعرف كم بقي منها.

 

كن انتقائيًا… فالعمر لا يتسع لكل شيء، لكنه يتسع لكل ما يستحق…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى