صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

حين تتحول الأحلام إلى بشائر …

قرأتُ يومًا أبياتًا تستنهض الهمّة، وتوقظ الشغف في قلب كل طامح:

«ستأتيك البشائرُ مورقاتٍ

وتبعثُ في فؤادك ألفَ سلوى

ستأتي ثم تأتي مقبلاتٍ

فصبرًا إن بعد العسر يُسرًا

فكن بالله معتصمًا وأيقن

بأن الله يرفع كل بلوى»

استوقفتني هذه الأبيات طويلًا؛ لأنها تختصر شيئًا من رحلة الإنسان مع أحلامه؛ تلك الرحلة التي تبدأ بأمنية، ويحييها الأمل، ويصنعها السعي، ويحرسها الصبر واليقين.

فنحن نحمل في أعماقنا أمنياتٍ كبيرة؛ بعضها نبوح به، وبعضها نُسكنه في زوايا القلب، نرجو أن يأتي يومٌ نراه فيه واقعًا بعد أن كان حلمًا بعيدًا.

لكن بين الحلم والوصول حكايةٌ كاملة؛ فليست كل الطرق ممهدة، ولا كل النتائج تأتي في الوقت الذي نريده. قد نبدأ بحماسٍ كبير، ثم نكتشف أن الطريق يحتاج إلى صبرٍ حين تتأخر الثمار، وإرادةٍ حين تثقل الخطوات، وشجاعةٍ تجعلنا نستمر حتى عندما لا تبدو ملامح النهاية واضحة.

فالأحلام وحدها لا تصنع واقعًا، والأمنيات مهما صدقت تحتاج إلى عملٍ يرافقها وأخذٍ بالأسباب يقرّبنا منها. وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.

ولكي نقترب مما نريد، علينا أن نتعلم ما نجهل، ونطوّر ما نملك، ونطرق الأبواب الممكنة، وألّا نخشى التعثر؛ فالنجاح ليس طريقًا مستقيمًا، بل قدرةٌ على النهوض، ووعيٌ بتصحيح المسار، ومرونةٌ في البحث عن طريقٍ آخر حين لا يقودنا الطريق الأول إلى وجهتنا.

وفي أثناء ذلك، قد نرى آخرين يصلون قبلنا، فنظن أننا تأخرنا، ونقارن بداياتنا بنهاياتهم، متناسين أن لكل إنسان رحلته وتوقيته وظروفه. فما كُتب لغيرك لا ينتقص مما ينتظرك، وتأخر حلمك لا يعني ضياعه.

وقد نطرق بابًا فلا يُفتح، أو نسلك طريقًا فنكتشف أنه لا يقودنا إلى حيث أردنا. وليس في ذلك دائمًا خسارة؛ فبعض الأبواب المغلقة حماية، وبعض الطرق التي لم تكتمل توجيه، وبعض التأخير حكمة لا نفهمها إلا حين نلتفت إلى الوراء.

وربما تكون المسافة بيننا وبين أحلامنا هي المساحة التي ننضج فيها؛ نتعلم، ونتغير، ونكتشف قدراتٍ لم نكن نعرف أنها تسكننا. فليست كل الطرق الطويلة تأخيرًا؛ بعضها إعدادٌ لما هو قادم، لأن الوصول إلى بعض الأحلام يحتاج أولًا أن نصبح قادرين على حملها.

ولعل الحياة قدّمت لنا نماذج كثيرة لأشخاص لم تكن بداياتهم توحي بما ستؤول إليه نهاياتهم. ومن بينهم الإعلامي لاري كينغ، الذي بدأ طريقه المهني بأعمالٍ بسيطة في محطة إذاعية بفلوريدا، يحمل شغفه بالإعلام وينتظر فرصته خلف الميكروفون. وحين جاءت الفرصة تمسّك بها، وواصل مسيرته حتى أصبح واحدًا من أشهر المحاورين في العالم.

وما يستحق التأمل في قصته ليس الشهرة التي بلغها، بل المسافة بين نقطة البداية وما استطاع أن يصنعه بعدها. فواقعك اليوم ليس حكمًا على مستقبلك، وبدايتك مهما بدت متواضعة لا ترسم حدود نهايتك. وقد تبدأ التحولات الكبرى من فرصةٍ صغيرة يلتقطها إنسانٌ كان مستعدًا لها، ومن حلمٍ رفض صاحبه أن يتخلى عنه لمجرد أن الطريق طال.

وهنا يكمن الفرق بين أمنيةٍ نعبر بها الأيام، وحلمٍ نصنع له طريقًا؛ فالأمنية تنتظر، أما الحلم الحقيقي فيدفعنا إلى التعلم والعمل والمحاولة، حتى يصبح كل يومٍ نعيشه خطوةً نحو ما نريد.

ومع كل ذلك، يبقى في القلب يقينٌ بأننا نأخذ بالأسباب، أما النتائج فبيد الله. نبذل ما نستطيع، ثم نمضي مطمئنين؛ فقد يهبنا الله ما تمنيناه، وقد يقودنا عبر سعينا إلى ما لم نكن نعرف أنه أجمل لنا.

همسة أمل

حين يتأخر حلمك، لا تجعل الانتظار يسرق منك الرغبة في السعي؛ فربما لم يحن موعد الوصول بعد، لكنك في كل خطوة صادقة تصنع المسافة التي تقرّبك منه.

لا تسأل نفسك كل يوم: متى سأصل؟

بل اسألها: ماذا فعلت اليوم لأصبح أقرب؟

فليست قيمة الرحلة في الوصول وحده، بل في الإنسان الذي تصنعه فينا الطريق؛ أكثر قوةً بعد التعثر، وأكثر حكمةً بعد التجربة، وأكثر يقينًا بعد الانتظار.

وبين أمنيةٍ خبأتها يومًا في قلبك، وواقعٍ ستراه أمام عينيك، قد تمر أعوامٌ ومحاولات وأبوابٌ مغلقة وطرقٌ لم تكتمل؛ لكن شيئًا من ذلك لا يضيع ما دمت تسعى وتتعلم وتستودع حلمك عند الله.

وما أجمل اللحظة التي تلتفت فيها إلى الوراء، فتدرك أن الطريق الذي ظننته يومًا طويلًا كان يصنعك بصمت، وأن الدعاء الذي حملته طويلًا وجد موعده، وأن ما بين يديك الآن كان يومًا أمنيةً بعيدة…

«ثم يأذن الله لها أن تُزهر، فيغدو الحلم بشارةً، والأمنية واقعًا جميلًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى