هل أصبح السفر لغةً للتفاخر؟

لم يعد السفر في وقتنا الحاضر مجرد انتقال من مكان إلى آخر، أو فرصة للاستجمام واكتشاف العالم، بل أصبح عند البعض وسيلة لإرسال رسائل اجتماعية غير معلنة. فصورة من صالة المغادرة، وأخرى من مقعد الطائرة، ثم مشاهد يومية من الفندق والمطاعم والمعالم السياحية، كلها أصبحت جزءًا من استعراض حياة يهدف إلى جذب الانتباه وصناعة صورة مثالية أمام الآخرين.
هذه الظاهرة لا يمكن تعميمها على الجميع، فهناك من يسافر لظروف العمل، أو للعلاج، أو لطلب العلم، أو لزيارة الأقارب، أو لقضاء إجازة يستحقها بعد عناء طويل. غير أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت مفهوم السفر لدى شريحة من الناس، حتى أصبح عدد الرحلات والوجهات يُنظر إليه وكأنه مقياس للنجاح أو الرفاهية أو المكانة الاجتماعية.
المشكلة لا تكمن في السفر نفسه، وإنما في تحويله إلى وسيلة للمقارنة بين الناس. فالمتابع يرى الصور الجميلة والابتسامات والمناظر الخلابة، لكنه لا يرى ما وراءها من التكاليف، أو الضغوط، أو حتى الديون التي قد يتحملها بعض الأشخاص من أجل الظهور بمظهر معين. وهكذا تُصنع صورة قد تكون بعيدة عن الواقع، بينما يقارن الآخرون حياتهم اليومية بما يشاهدونه، فتتولد لديهم مشاعر النقص أو عدم الرضا.
إن قيمة الإنسان لا يحددها ختم في جواز السفر، ولا عدد الدول التي زارها، وإنما تحددها أخلاقه، وعلمه، وإسهامه في خدمة مجتمعه، واحترامه للآخرين. فكم من شخص لم يغادر وطنه، لكنه ترك أثرًا خالدًا بعلمه أو عمله أو إنسانيته، وكم من آخر جاب القارات دون أن يضيف إلى حياته أو إلى مجتمعه إنجازًا حقيقيًا.
ولعل أجمل ما في السفر أنه يوسع المدارك، ويقرب بين الشعوب، ويكسر الصور النمطية، ويمنح الإنسان خبرات لا تُكتسب من الكتب وحدها. أما عندما يصبح غاية للتفاخر أو وسيلة لطلب الإعجاب، فإنه يفقد كثيرًا من قيمته الحقيقية.
ويبقى الأجمل أن نُحسن استخدام وسائل التواصل، فلا نجعلها منصة للمقارنات، بل نافذة لنقل المعرفة والتجارب والثقافات. فالسفر تجربة تثري الإنسان من الداخل، وليس وسيلة لإثبات مكانته في أعين الآخرين، لأن المكانة الحقيقية تُصنع بالخلق والعمل والإنجاز، لا بعدد بطاقات الصعود إلى الطائرة .






