صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا عام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

.

كان يقف في آخر الطابور شيخٌ أثقلته السنين، ووشمت التجارب على وجهه خرائط تعبٍ طويل. كانت ثيابه تحكي حياة لم تكن كريمة معه، وكانت يده تقبض على مبلغ صغير كأنه آخر ما تبقّى من صبره. ظل يحدّق في قائمة الطعام طويلاً، لا ليختار، بل ليوازن بين ما يملك وما يحتاج، بين رغبة الجوع وحكمة الجيب.

تقدّم خطوة، ثم توقّف.

كأن الجسد أعلن استسلامه قبل أن تعلن الروح ذلك. أسند يده إلى طرف طاولة قريبة، وأخذ يبحث بعينيه عن مقعد يخفف عنه ثقل الوقوف، بينما كان العالم من حوله منشغلاً بطلباته وأحاديثه، لا يرى ما يراه هو، ولا يسمع ما يقوله صمته.

لم يطلب شيئاً، ولم يمد يده؛ فآخر ما يريده الإنسان حين يشيخ أن يشعر بأنه أصبح عبئاً على أحد.

غير بعيد عنه، كان يقف شاب. رأى المشهد كما يُرى الوجع حين يكون صامتاً، فتقدم إليه بلطف وقال له:

«يا عم… تفضل اجلس هنا، وأنا أجيب لك طلبك. وش تحب؟»

تردد الشيخ، ربما حياءً، وربما لأن الأيام علّمته أن يحمل نفسه بنفسه مهما أثقلته. لكن الشاب أصر، وأجلسه، وسأله عما يشتهي. ثم ذهب واشترى له ما أراد، وزاد عليه شيئاً من عنده، وعاد يضع الطعام أمامه كأنه يضع احتراماً لا وجبة.

ابتسم الشيخ وسأله: «كم الحساب؟»

فابتسم الشاب وقال:

«اعتبرها من ابن لأبوه.»

لم تكن هناك كاميرات، ولا جمهور، ولا تصفيق. لم يُعرف اسم الشيخ، ولن يُعرف اسم الشاب. لكن شيئاً عظيماً حدث في تلك اللحظة الصغيرة؛ رحمة تحولت من معنى إلى فعل، ومن شعور إلى موقف، ومن كلمة إلى أثر.

فالرحمة لا تحتاج إلى قرابة كي تتحرك، ولا إلى معرفة طويلة كي تظهر. يكفي أن ترى في وجه إنسان ما كنت ستراه في وجه أبيك لو أثقلته الأيام، أو أن تتخيل نفسك مكانه حين تأخذ الحياة منك بعض قوتك، وتتركك للحظات في حاجة إلى يد تمتد إليك دون أن تشعرك بأنها تمنّ عليك.

والسنوات لا تترك آثارها على الشعر والوجه فقط؛ بل تظهر في الخطوة البطيئة، واليد المرتجفة، وفي الطريقة التي يحاول بها الإنسان أن يخفي حاجته حتى لا يشعر بأنه أصبح حملاً على الآخرين.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية تجاه بعضنا.

فنحن لا نعرف ما الذي يحمله الناس خلف وجوههم. قد نرى متعباً ولا نعرف كم مرة اضطر أن يكون قوياً، ونرى صامتاً ولا نعرف كم من الكلام اختنق في صدره، ونرى غضباً عابراً ولا نعرف القصة التي سبقته. ما يصل إلينا من حياة الآخرين غالباً ليس إلا لحظة واحدة من حكاية طويلة لا نعرف فصولها.

ولهذا كانت الرحمة أوسع من مجرد مساعدة عابرة؛ إنها طريقة في النظر إلى الإنسان.

الرحمة ليست ضعفاً، كما أن القسوة ليست قوة. القوة الحقيقية أن تمتنع عن الأذى حين تكون قادراً عليه، وأن تنتصر دون شماتة، وأن تضع الحدود دون أن تجعل كرامة الآخر ثمناً لها. تستطيع أن تختلف دون أن تهين، وأن تحاسب دون أن تذل، وأن تقول «لا» دون أن تجعل من رفضك جرحاً لا يلتئم.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

وقال النبي ﷺ:

«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

وكانت رحمته تمشي بين الناس قبل أن تُقال لهم في الكلمات؛ في رفقه بالضعيف، وحلمه على الجاهل، وحرصه على ألا يتحول الخطأ إلى إهانة لصاحبه.

فالإنسان ليس لحظته الأسوأ، ولا خطأه الوحيد، ولا الصورة التي التقطها الآخرون له في لحظة ضعف. خلف كل إنسان عمر كامل من الخسارات والمخاوف والأحلام التي لا نراها، وربما كان أكثر الناس حاجة إلى الرحمة هو من يبدو لنا أكثر الناس قدرة على الاحتمال.

ولهذا، اترك في أحكامك مساحة للإنسانية.

حتى الكلمات تحتاج إلى رحمة؛ فكم من جملة قيلت في غضب بقيت في قلب من سمعها سنوات، وكم من كلمة لطيفة أعادت لإنسان شيئاً من نفسه. قد تنتهي المحادثة بالنسبة لك في لحظتها، لكنها قد تبقى في ذاكرة شخص آخر زمناً طويلاً.

وليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، ولا كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله. أحياناً يكون أعظم ما تمنحه لإنسان أن تحفظ سره، أو تستر ضعفه، أو تمنحه فرصة لشرح نفسه قبل أن تحكم عليه، أو تترك له مخرجاً يحفظ ماء وجهه في موقف كان بإمكانك أن تحوله إلى فضيحة.

الرحمة تعمل بصمت. لا تحتاج إلى شاهد، ولا إلى إعلان. تظهر في أبٍ يصبر، وأم تحتضن ضعف أبنائها، ومدير يرى الإنسان قبل التقرير، وجار يلاحظ غياب جاره، وشخص يرى عاملاً متعباً فيمنحه دقيقة من الاحترام.

وفي أحيان كثيرة، تكون الرحمة أن ترى ما لا يراه الآخرون؛ الرجل الذي لم يستطع الوقوف، والكبير الذي يتردد قبل أن يطلب، والشخص الذي يضحك كثيراً لأن الحزن أثقل من أن يُشرح، والذي يقول «أنا بخير» بينما صوته يقول شيئاً آخر.

لسنا مطالبين بإنقاذ الجميع، فهذا فوق طاقة البشر، لكننا قادرون على أن نجعل الطريق أقل قسوة على من يعبره معنا.

فالرحمة تنتقل بطريقة جميلة؛ من قلب إلى قلب، ومن موقف إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، دون أن يعرف أحد أين بدأت. وربما لا يتذكر الإنسان كل ما قيل له في حياته، لكنه نادراً ما ينسى كيف شعر حين وجده أحدهم في لحظة ضعفه ولم يتركه وحيداً فيها.

ذلك الشاب الذي اشترى وجبة لم يشترِ طعاماً فقط؛ لقد اشترى للشيخ لحظة لم يشعر فيها بأنه وحيد، ولا بأنه أقل من غيره، ولا بأنه عبء على أحد.

وحين قال له: «اعتبرها من ابن لأبوه»، لم يكن يدفع ثمن وجبة فحسب؛ كان يعيد ترتيب العلاقة بين قوي وضعيف، وغني ومحتاج، وغريب وغريب، ليضع مكانها علاقة واحدة أكثر إنسانية:

أب… وابن.

وربما لهذا كانت الرحمة عظيمة؛ لأنها تلغي، ولو للحظة، كل المسافات التي يصنعها البشر بين بعضهم.

وفي نهاية العمر، حين تتراجع أشياء كثيرة ظننا يوماً أنها عظيمة، لن يبقى في الذاكرة مقدار ما جمعناه من الأشياء بقدر ما تبقى تلك اللحظات التي جعلنا فيها حياة إنسان آخر أخف وطأة.

قد ينسى الناس كم دفعت، وكم أعطيت، وكم أنجزت، لكنهم قد يتذكرون أنك جلست إلى جوارهم حين لم يجدوا من يجلس، وأنك حفظت كرامتهم حين كانوا في أضعف حالاتهم، وأنك قلت كلمة أعادت إليهم شيئاً من الطمأنينة في وقت كانوا أحوج ما يكونون إليها.

وربما لا تعرف أبداً أثر ما فعلت.

قد تمضي في طريقك بعد موقف صغير، بينما يمضي شخص آخر وهو يحمل ذلك الموقف في قلبه سنوات. وربما يكون ما اعتبرته أنت شيئاً عابراً هو الشيء الذي أعاد إليه ثقته بالناس، أو خفف عنه يوماً ثقيلاً، أو جعله يؤمن بأن الخير ما زال موجوداً في هذه الدنيا.

وهنا تكمن أجمل مفارقات الرحمة: أنك قد لا تعرف قيمتها لحظة تمنحها، لكن من تلقاها قد يعرفها طوال عمره.

يكفي أن يقول إنسان بعد سنوات، وهو يستعيد لحظة لم تنسها ذاكرته:

«في يوم كنت أحتاج فيه إلى أب… تصرّف معي إنسان كأنه أبي.»

تلك ليست جائزة تُعلّق على جدار، ولا شهادة تُكتب في سيرة ذاتية، ولا مديحاً يسمعه الناس. إنها شيء أعمق؛ أن تترك في قلب إنسان أثراً يجعله أقل خوفاً من الحياة، وأكثر ثقة بأن الناس، رغم كل ما في الدنيا من قسوة، لا يزال بينهم من يتوقف لأجل إنسان آخر.

وربما أجمل ما يمكن أن نتركه خلفنا ليس شيئاً يحمل أسماءنا، وإنما شعوراً يبقى في قلوب من مررنا بهم.

أن يذكرنا أحدهم في وقت ضعفه، لا لأنه يتذكر وجوهنا فقط، بل لأنه يتذكر كيف جعلناه يشعر.

أن يقول: كان يمكنه أن يمضي… لكنه توقف.

كان يستطيع أن يتجاهل… لكنه رأى.

كان يستطيع أن يعطيني شيئاً وينصرف… لكنه حفظ كرامتي.

وهذا، في ظني، هو المعنى الأجمل للرحمة: ألا تجعل الإنسان يشعر أنه أقل لأنه احتاج، ولا صغيراً لأنه ضعف، ولا وحيداً لأنه تعثر.

أن تمد يدك إليه دون أن تجعله يشعر بثقلها.

أن تعطيه دون أن تنظر إليه من فوق.

أن تساعده ثم تمضي، وكأن ما فعلته أمر طبيعي، لأن الإنسان للإنسان سند، ولأن الكرامة لا ينبغي أن تسقط من يد أحد لمجرد أن العمر أثقله، أو أن الفقر أتعبه، أو أن الحياة أجبرته يوماً على أن يحتاج.

وربما يأتي يوم يقف فيه ذلك الشاب نفسه في مكان آخر، فيرى شيخاً أثقلته السنين، فيتذكر تلك اللحظة التي قال فيها لرجل لا يعرفه:

«اعتبرها من ابن لأبوه.»

فيقترب منه، ويبتسم، ويقول:

«تفضل يا عم… اجلس، أنا أجيب لك.»

وعندها لن تكون الرحمة قد بقيت في ذلك المطعم.

ستكون قد عبرت من قلب إلى قلب، ثم إلى قلب آخر، وربما إلى جيل لم يولد بعد.

وهكذا تستمر الأشياء الجميلة في هذا العالم؛ لا بالصوت العالي، ولا بالشهرة، ولا بما يراه الناس، وإنما بموقف صغير يزرعه إنسان في قلب إنسان، ثم ينمو هناك بصمت، حتى يصبح يوماً سلوكاً، ثم خلقاً، ثم حياة.

وربما لا نستطيع أن نصلح العالم كله، لكننا نستطيع أن نتركه أقل قسوة مما وجدناه.

يكفي أن يمر بك إنسان مكسور، ثم يكمل طريقه وهو يشعر أنه ما زال جديراً بالاحترام.

يكفي أن يمر بك محتاج، ثم يغادر دون أن يشعر أنه انكسر أمامك.

يكفي أن يمر بك وحيد، ثم يكتشف، ولو للحظات، أنه ليس وحده.

فإذا كان لنا أن نترك وراءنا شيئاً يستحق البقاء، فليكن أثراً لا يحتاج إلى أسمائنا كي يعيش؛ رحمة تنتقل إلى شخص آخر، ثم إلى آخر، حتى يأتي يوم لا يعرف فيه أحد أين بدأت، لكنه يعرف أنها جعلت العالم، ولو قليلاً، أكثر اتساعاً للإنسان.

وربما تكون أجمل شهادة يمكن أن تبقى لنا بعد الرحيل، أن يقول إنسان ما:

«مرّ في حياتي… ولم يزدها قسوة.»

وربما تكون أجمل من ذلك كله أن يقول:

«في يوم كنت أحتاج فيه إلى أب… وجدته في إنسان.»

فبعض الناس لا يتركون وراءهم مالاً ولا اسماً ولا أثراً يُرى…

بل يتركون قلباً تعلّم، بسببهم، أن يرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى