التربية الحديثة في ظلّ وسائل التواصل الاجتماعي
الطفولة | ما قيمة الطاعة إذا خسرنا العلاقة؟
حين يرفض الطفل إغلاق الشاشة، أو يغضب لأننا لم نلبِّ طلبه، كيف نضع حدًّا واضحًا ونحافظ في الوقت نفسه على العلاقة معه؟ في مثل هذه المواقف اليومية قد يميل بعض الأهل إلى الإفراط في التدليل، فيلبّون كل طلب تجنّبًا لغضب الطفل، وقد يلجأ آخرون إلى القسوة أو الإساءة المتكررة، كالصراخ والإهانة والتهديد، طلبًا للطاعة السريعة. وبين هذين الأسلوبين، تقوم التربية الإيجابية على الجمع بين الدفء والحزم، بحيث يجد الطفل من يصغي إليه ويحترم مشاعره، ومن يضع له حدودًا واضحة تساعده على تحمّل المسؤولية تدريجيًّا.
ناقشتُ هذه المسائل مع الأستاذ مصطفى فقية، المتخصص في علم السلوك البشري، الحائز على ماجستير في التربية والعلاقات الأسرية، وخريج الأكاديمية الأمريكية المغربية للعلاج المعرفي السلوكي والعلاج بخط الزمن (Passion International University). وتناول حوارنا دور العلاقة والثقة في تقويم السلوك، وكيف يستطيع المربّي أن يفهم ما وراء تصرّف الطفل ويصحّح خطأه بطريقة تحفظ كرامته.
والغاية أن نهيّئ للطفل بيئةً تدعم نموّه النفسي، وتحدّ من أثر التجارب المؤذية في طفولته، وتساعده على اكتساب الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار. وحين يطيع الطفل، قد يكون قد فهم واختار وتحمّل نتيجة اختياره، وقد يكون خاف العقاب أو انتظر المكافأة. يتشابه التصرّف الظاهر وتختلف دوافعه. فحين يغيب المربّي، ما الذي يبقى لدى الطفل من فهمٍ يعينه على الاختيار وتحمّل نتيجته؟
كيف تتكوّن الجذور الأولى للشخصية؟
في السنوات العشر الأولى تتكوّن الجذور الأولى للشخصية، ومنها الإحساس بالأمان، والمفاهيم التي يكتسبها الطفل، وصورته عن نفسه وعن الآخرين. وحين يقول «أنا أريد، أنا أفعل، أنا أختار»، تبدأ ملامح هويته بالظهور. ويساعد فهم هذه البداية المربّي على منح الطفل مساحةً للاختيار والتجربة ضمن حدود تحميه وتساعده على فهم العواقب.
تبدأ هذه المرافقة في البيت، من الجوّ النفسي واللغة وطريقة التعامل. فالطفل يلاحظ ويحاكي، ثم يسأل وينتظر جوابًا. ومن الأجوبة تتشكّل مفاهيمه، ويصبح من يمنحه الأمان ويجيب عن أسئلته نموذجًا في حياته. فالطفل يحاكي طريقة التعامل قبل أن يفهم الوعظ.
ما الذي يضعف العلاقة التربوية؟
الصراخ يجعل لحظة التصحيح مرتبطة بالتوتّر، والمقارنة بالآخرين تُبرز أخطاء الطفل على حساب محاولاته وتقدّمه. والسخرية من كلامه أو شكله أو مشاعره تمسّ كرامته وتضعف شعوره بأنه مسموع ومقبول. وحين تتكرّر هذه الممارسات، تصبح العلاقة بحاجة إلى إصلاح قبل مطالبة الطفل بتعديل سلوكه.
قد يدفع الضرب والإهانة والتهديد الطفل إلى الخضوع في اللحظة نفسها. وقد تجعله الهدايا والوعود يربط تصرّفه بالمقابل. أما تعزيز السلوك الإيجابي فيبدأ بملاحظة ما أحسن الطفل فعله وتقديره، كأن نقول له «أعجبني كيف ساعدتَ في ترتيب المكان».
التجسّس والمراقبة المفرطة يحوّلان المرافقة إلى مطاردة. وتُبنى الثقة بالمصاحبة والحوار وإتاحة الفرصة للطفل كي يختار ويتحمّل نتيجة قراره. وتبقى الحماية مسؤولية المربّي، فيزيل مصادر الخطر ويهيّئ بيئةً آمنة للتجربة والاكتشاف. وحين يخطئ الطفل في أثناء التجربة، يحتاج إلى دعم وتصحيح يحفظان العلاقة.
العلاقة والثقة قبل تعديل السلوك
في ترتيب الأولويات الذي عرضه الأستاذ مصطفى فقية، يحظى بناء العلاقة بـ٧٠٪، وبناء الثقة بـ١٠٪، وتعزيز السلوك الإيجابي بـ١٠٪، وتعديل السلوك السلبي بـ١٠٪. وهذه نسب تفسيرية تعبّر عن ترتيب الأولويات في هذا الطرح. فالتصحيح يأتي ضمن عمل تربوي يبدأ بعلاقة آمنة وثقة تنمو تدريجيًّا، ويشمل الانتباه إلى ما يحسن الطفل فعله.
بهذا الفهم، يضيف المربّي إلى سؤال «ماذا فعل الطفل؟» سؤالًا آخر هو «لماذا فعل ذلك؟». فقد يقف وراء التصرّف احتياجٌ إلى الأمان، أو محاولةٌ للاختيار، أو سؤالٌ لم يجد جوابًا. وفهم الدافع يساعد المربّي على التمييز بين حاجة مرتبطة بمرحلة النمو وسلوك يحتاج إلى تعديل.
ما يبقى من التربية هو ما يحمله الطفل معه حين يغيب المربّي، من قيمٍ توجّه سلوكه، وثقةٍ وكرامةٍ وقدرةٍ على اتّخاذ القرار. وحين تنبع الطاعة من الفهم، يتعلّم الطفل أن يمارس استقلاله ويتحمّل مسؤولية اختياراته.








