الخوف… السجن الذي نبنيه بأيدينا

ليس كل سجنٍ تُحيط به الجدران، فبعض السجون تسكن داخلنا، نُشيّدها حجرًا فوق حجر حتى تصبح جزءًا من حياتنا دون أن نشعر. ومن أكثر هذه السجون قسوةً الخوف؛ ذلك الشعور الذي خُلق لحماية الإنسان، فإذا أفرط في الاستسلام له تحوّل من حارسٍ أمين إلى سجّانٍ يسلبه حريته، ويُطفئ شغفه، ويحرمه من أن يعيش كما ينبغي.
كم من إنسان لم يهزمه الواقع بقدر ما هزمته مخاوفه؟ وكم من حلمٍ مات قبل أن يرى النور، وكم من فرصةٍ ضاعت لأنه تردد في الاقتراب منها، وكم من سعادةٍ بقيت بعيدة لأنه كان ينتظر أن يختفي الخوف أولًا. لكن الخوف لا يختفي بالانتظار، بل يزداد قوة كلما منحناه مساحة أكبر في نفوسنا.
يبدأ الخوف فكرةً صغيرة، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى قناعة، حتى يصبح أسلوب حياة. يبدأ همسًا خافتًا في أعماق النفس، ثم يكبر شيئًا فشيئًا حتى يصبح الصوت الأعلى الذي يوجّه قراراتنا، ويرسم حدود أحلامنا، ويقنعنا أن البقاء في المكان نفسه أكثر أمانًا من المضي نحو المجهول.
وكثيرًا ما نفقد الشعور بالحياة بسبب الخوف. فنحرم أنفسنا حق الاعتناء بصحتنا خوفًا من مواجهة حقيقة مرضٍ أو مشكلة صحية، ونحرم أنفسنا حق الدفاع عن حقوقنا خشية المواجهة أو الرفض، وقد نحرم أنفسنا السعادة لأننا ترددنا في اتخاذ قرار كان من الممكن أن يغيّر واقعنا إلى الأفضل.
ومن أكثر صور الخوف إيلامًا الخوف من مواجهة الحقيقة. فهناك من تؤلمه أعراض المرض لكنه يؤجل زيارة الطبيب خوفًا من تشخيص لا يرغب في سماعه، وهناك من يعيش سنواتٍ في واقعٍ يستنزفه لأنه يخشى التغيير أكثر مما يخشى الاستمرار في الألم. وهكذا يتحول الخوف من احتمالٍ للأذى إلى سببٍ دائمٍ له.
ولأن الخوف بارعٌ في التنكر، فإنه لا يأتي دائمًا في صورة ضعف، بل قد يرتدي ثوب الحكمة أو الحذر أو انتظار الوقت المناسب. فنقنع أنفسنا أننا نستعد، بينما نحن في الحقيقة نهرب، ونظن أننا نحمي أنفسنا، بينما نحرمها من النمو واكتشاف قدراتها.
وقد لخّص علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الحقيقة بقوله: «إذا هبت أمرًا فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه». فكم من أمرٍ أرعبنا في الخيال، ثم بدا أهون مما تصورنا حين واجهناه؟ وكم من بابٍ بقينا طويلًا نتردد في طرقه، بينما كان خلفه الخير الذي نبحث عنه؟
إن أكثر ما يؤسف له الإنسان في نهاية المطاف ليس الأخطاء التي ارتكبها، بل الفرص التي لم يمنح نفسه شرف المحاولة فيها. فالفشل قد يكون درسًا، والخسارة قد تكون بداية جديدة، أما الخوف إذا انتصر فإنه يترك صاحبه أسيرًا لاحتمالاتٍ لم تقع، وأعمارٍ مضت في التردد.
فالحقيقة أن الخوف لا يسرق الطمأنينة فحسب، بل يسرق الحاضر والمستقبل معًا. فهو يجعلنا أسرى لما قد يحدث، بدلًا من أن نعيش ما يحدث بالفعل. وقد تمر السنوات بينما نظل ننتظر الوقت المثالي لاتخاذ القرار، غير مدركين أن العمر يمضي في أثناء انتظارنا.
همسة أمل
أحيانًا لا يسلبنا الخوف شيئًا من الحياة، بل يسلبنا الحياة نفسها. لذلك لا تمنحه سلطةً على عمرك، ولا تسمح له أن يقرر عنك أو يرسم حدود أحلامك. واجه ما تخشاه بقلبٍ مؤمن، وخطوةٍ واثقة، فربما كان خلف الأمر الذي تهرب منه شفاءٌ تنتظره، أو حقٌ تسترده، أو فرصةٌ تغيّر مجرى حياتك، أو سعادةٌ ظننت طويلًا أنها بعيدة المنال.
فما بين الحياة التي نحلم بها والحياة التي نعيشها، يقف الخوف أحيانًا كحاجزٍ وهمي. وحين نمتلك شجاعة العبور، نكتشف أن الطريق لم يكن مخيفًا كما ظننا، وأن ما كان ينتظرنا خلفه أجمل مما توقعنا ….






