صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

ما الحياةٍ التي تليق بنا؟

بين الانتقائية والتوازن… تُصنع جودة الحياة
ثمة حِكَمٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنها لا تخاطب عصرًا بعينه، بل تخاطب الإنسان في جوهره. ومن أبلغها مقولة الفيلسوف سقراط : «الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش.»

 

ولعل سر خلود هذه الحكمة أنها لا تدعونا إلى مجرد العيش، بل إلى التأمل في الكيفية التي نعيش بها، وإلى مراجعة اختياراتنا قبل أن تتحول إلى أسلوب حياة. ومن هنا يبرز سؤال يتجدد مع كل مرحلة من العمر: أيُّ حياةٍ تليق بنا؟

 

في السنوات الأخيرة، أصبح مصطلح جودة الحياة من أكثر المفاهيم حضورًا في الخطاب التنموي والإعلامي، حتى غدا عنوانًا لتطلعات الأفراد والمجتمعات نحو حياة أكثر ازدهارًا. غير أن شيوع المصطلح لا يعني بالضرورة وضوح معناه؛ فما يزال كثيرون يربطونه بوفرة الإمكانات أو مستوى الرفاهية، بينما يتجاوز مفهومه ذلك إلى الكيفية التي يحيا بها الإنسان حياته، ومدى انسجامها مع قيمه وأولوياته.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية جودة الحياة بأنها إدراك الفرد لمكانته في الحياة في ضوء ثقافته ومنظومة قيمه، وعلاقته بأهدافه وتوقعاته واهتماماته.

 

ويؤكد هذا التعريف أن جودة الحياة لا تُقاس بما يملكه الإنسان، وإنما بما يعيشه من معنى، وما يشعر به من اتزان ورضا، وبقدر توافق حياته مع ما يؤمن به.
ومن هنا، لا يصبح السؤال: كيف نعيش حياة أفضل؟ بل: أيُّ حياةٍ تليق بنا؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ترسم ملامح اختياراتنا، وتمنحها اتجاهًا واضحًا.

 

فالإنسان لا يصنع حياته بالقرارات المصيرية وحدها، وإنما بما يكرره كل يوم. فالاختيارات الصغيرة، مهما بدت عابرة، تتراكم حتى تصبح عادات، والعادات تصوغ الشخصية، والشخصية ترسم مسار الحياة.

 

ولهذا تبدأ جودة الحياة من الانتقائية الواعية.
فالانتقائية ليست تضييقًا لدائرة الحياة، ولا تعاليًا على الآخرين، وإنما وعيٌ بأن لكل ما نسمح له بالدخول إلى حياتنا أثرًا في تشكيلنا. فالفكرة التي نتبناها تصوغ وعينا، والعادة التي نلتزمها تبني مستقبلنا، والكلمة التي نرددها تعكس قيمنا، والعلاقة التي نحافظ عليها قد تكون مصدرًا للنمو أو سببًا للاستنزاف.

 

ولهذا لا يترك الإنسان الواعي تفاصيل حياته للمصادفة؛ فينتقي ما يقرأ، وما يتعلم، وما يتابعه، ويحرص على صحته لأنها أساس عطائه، ويعتني بمظهره لأنه امتداد لاحترامه لذاته، ويرتقي بأسلوب تعامله لأنه يعكس أخلاقه، ويحافظ على وقته لأنه أغلى موارده، ويختار الصحبة التي تلهمه وتدفعه إلى الأفضل. فالحياة الراقية لا تُبنى بالصدفة، بل بحسن الاختيار.

 

أن حسن الاختيار لا يكتمل إلا بالتوازن.
فالتوازن ليس أن تتساوى كل جوانب الحياة، بل أن يعرف الإنسان قيمة كل جانب، فيمنحه حقه دون إفراط أو تفريط. أن ينجح في عمله دون أن يخسر صحته، وأن يعتني بالآخرين دون أن يهمل نفسه، وأن يطمح إلى المزيد دون أن يفقد رضاه، وأن يحافظ على حدوده دون أن يتخلى عن إنسانيته.

 

ويتوافق هذا المعنى مع نموذج الازدهار الذي قدمه عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، والذي يوضح أن جودة الحياة تقوم على خمسة عناصر متكاملة: المشاعر الإيجابية، والاندماج، والعلاقات الإنسانية الصحية، والإحساس بالمعنى، والإنجاز. وهي جميعها تؤكد أن جودة الحياة تبدأ من الداخل قبل أن تنعكس على الواقع.
وقد لخّص الطبيب النفسي فيكتور فرانكل هذه الحقيقة بقوله: «من يملك سببًا يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل معظم ظروف الحياة.»

 

همسة أمل…

 

حين يدرك الإنسان غايته، تصبح قراراته أكثر وضوحًا، ويغدو أكثر قدرة على التمييز بين ما يضيف إلى حياته وما يستنزفها.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، لم يعد التحدي الحقيقي أن نملك المزيد، بل أن نحسن الاختيار. فليست كل فرصة تناسبنا، ولا كل علاقة تستحق أن تستمر، ولا كل فكرة جديرة بأن تستقر في عقولنا. إن جودة الحياة لا تُبنى بما نضيفه إلى حياتنا فحسب، بل بما نملك الشجاعة للاستغناء عنه أيضًا.

 

ربما لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار ما نسمح له أن يبقى في حياتنا. وحين تصبح اختياراتنا امتدادًا لقيمنا، ويصبح التوازن منهجًا لا استثناءً، نكتشف أن جودة الحياة ليست رفاهية نبحث عنها، بل ثمرة وعيٍ ينضج، ونفسٍ تعرف ما يليق بها، وحياةٍ نختارها عن بصيرة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى