صحيفة سعودية تأسست في بريطانيا العام 2011
بريد الصحيفة - Muf2014s@gmail.com
مقالات

هل نتقن فنّ «شعرة معاوية»؟

استوقفتني أبيات الشاعر حمد البريدي؛ لما تحمله من مزيج لافت بين الرضا، والاعتزاز بالنفس، والاكتفاء الداخلي، وبين فهم طبيعة الناس واختلافهم:

 

«عزيت نفسي .. وخاويت الرضا واليقين
عن الشكوك اللي تأدي إلى الهاوية
ما ترضي الناس لو ساويتها كل حين
حتى أصابع كفوفك .. غير متساوية

 

أنا ثقيل الحضور .. اللي غيابه ثمين
وإن جيت فأنا الوسط ما جيت فالزاوية
لا أطرد ورى المقفي ولا أحاتي المقبلين
بيني وبين الخلايق – شعرة معاوية»

 

ولعل أجمل ما تختصره هذه الأبيات هو ذلك الاتزان الذي يصل إليه الإنسان حين يعرف قدر نفسه، ويدرك في الوقت ذاته أن الحياة مع الناس لا تستقيم بالمبالغة؛ فلا إرضاء الجميع ممكن، ولا القطيعة مع الجميع حل، ولا مطاردة من يبتعد تحفظ كرامتنا، ولا تجاهل من يقترب دليل قوة.

 

نقضي أحيانًا سنوات من أعمارنا نحاول أن نكون كما يريد الآخرون. نراجع كلماتنا ومواقفنا، ونبرر قراراتنا، ونحمّل أنفسنا مسؤولية انطباعات الناس عنا، ثم نكتشف أن ما يرضي شخصًا قد لا يرضي آخر، وأن الإنسان مهما حرص لن يستطيع أن يصنع نسخة من نفسه يقبلها الجميع.

 

ومن هنا يبدأ معنى الرضا الحقيقي؛ ليس أن يعتقد الإنسان أنه دائمًا على صواب، ولا أن يستغني عن الناس أو يرفض النقد، بل أن يعرف نفسه جيدًا، ويستمع دون أن يسمح لكل رأي بأن يهز صورته عن ذاته، ويصحح أخطاءه دون أن يعيش أسيرًا لنظرة الآخرين.

 

فالرضا بالنفس لا يعني الغرور، والاكتفاء لا يعني الاستغناء عن الآخرين، وعزة النفس لا تعني القسوة. وبين هذه المعاني مساحات دقيقة لا يحسن التعامل معها إلا من عرف قيمة التوازن.

 

وهنا تستوقفنا العبارة الأخيرة في الأبيات: «بيني وبين الخلايق شعرة معاوية».

 

فقد اشتهرت عن معاوية بن أبي سفيان مقولة أصبحت فيما بعد مضربًا للمثل في حسن إدارة العلاقات، ومما يُروى عنه قوله:

 

«لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ كانوا إذا مدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها».

 

ومن هنا جاءت تسمية «شعرة معاوية»، لتعبّر عن المرونة في التعامل؛ فلا إفراط في الشدة يؤدي إلى انقطاع العلاقة، ولا إفراط في اللين يجعل الإنسان يتنازل عن حدوده وحقوقه.

 

وما أحوجنا إلى هذا المعنى في علاقاتنا اليوم.

 

فليس كل خلاف يستحق القطيعة، وليس كل إساءة تستحق معركة، كما أن التسامح لا يعني قبول التجاوزات، والحفاظ على العلاقات لا يعني أن نبقى فيها مهما كان الثمن.

 

النضج أن نعرف متى نقترب، ومتى نترك مساحة، ومتى نتحدث، ومتى يكون الصمت أكثر حكمة. وأن ندرك أن الحفاظ على الود لا يتعارض مع وضع الحدود، وأن الكرامة لا تحتاج دائمًا إلى أبواب مغلقة، بل تحتاج أحيانًا إلى مسافة تحفظ لكل طرف مكانه.

 

وكذلك لا ينبغي أن تتحول علاقاتنا إلى سباق خلف من يبتعد. فمن اختار أن يمضي، لا ينبغي أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول إعادته، ومن اختار الاقتراب لا ينبغي أن نستقبله بخوف صنعته تجارب سابقة. لكل إنسان موقفه، ولكل علاقة ميزانها.

 

ربما يكون السلام الحقيقي في العلاقات هو أن نتعلم هذه المعادلة: أن نتمسك دون تعلق، ونبتعد دون عداء، ونسامح دون أن نسمح بتكرار الأذى، ونحافظ على كرامتنا دون أن نتحول إلى أشخاص قساة.

 

همسة أمل

 

ليس مطلوبًا منك أن تكسب الجميع، ولا أن تبرر نفسك للجميع، ولا أن تركض خلف كل من اختار الابتعاد. يكفي أن تعرف قيمتك، وتحفظ حدودك، وتترك بينك وبين الآخرين مساحة من الحكمة؛ فلا تشد الحبل حتى ينقطع، ولا ترخه حتى تفقد نفسك.

 

فالرضا يمنحنا السلام، وعزة النفس تحفظ كرامتنا، والمرونة تحفظ علاقاتنا… وحين تجتمع الثلاثة، نعرف متى نتمسك، ومتى نترك، ومتى نكتفي بأن نمضي بهدوء.

 

ليست القوة في أن نستغني عن الناس، وليست الحكمة في أن نرضيهم جميعًا؛ فكلتا الحالتين تأخذنا إلى طرف بعيد. القوة الحقيقية أن نعرف أنفسنا، والحكمة أن نحسن التعامل مع الآخرين دون أن نخسرها.

 

وبين التعلق والقطيعة، وبين الشدة والتنازل، وبين إرضاء الناس والانشغال عنهم تمامًا… تبقى هناك مساحة صغيرة اسمها التوازن.

 

وربما كانت تلك المساحة هي المعنى الأعمق لـ «شعرة معاوية»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى